الليلة المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال
لضوء المكان : وقالت الجارية الثانية لوالدك المرحوم عمر النعمان وقال
رجل لمحمد بن عبد الله : أوصني . فقال : أوصيك أن تكون في الدنيا مالكاً
زاهداً وفي الآخرة مملوكاً طامعاً . قال : وكيف ذلك ? قال : الزاهد
في الدنيا يملك الدنيا والآخرة . وقال غوث بن عبد الله : كان إخوان في بني
إسرائيل قال أحدهما للآخر : ما أخوف عمل عملته ? قال له : إني مررت
ببيت فراخ فأخذت منها واحدة ورميتها في ذلك البيت ولكن بيت الفراخ التي أخذها منه
فهذا أخوف عمل عملته . فما أخوف ما عملته أنت ? قال : أما أنا فأخوف عمل
أعمله أني إذا قمت للصلاة أخاف أن أكون لا أعمل ذلك إلا للجزاء . وكان أبوهما يسمع
كلامهما فقال : اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك . فقال بعض
العقلاء : إن هذين من أفضل الأولاد . وقال سعيد بن صبر : صحبت ابن عبيد
فقلت له : أوصني .
فقال : احفظ عني هاتين الخصلتين : أن لا تشرك بالله
شيئاً وأن لا تؤذي من خلق الله أحداً ، وأنشد هذين البيتين : كن كيف شئت فإن
الله ذو كرم ........ وأنف الهموم فما في الأمر من بأس إلا اثنتين فما تـقربهـما
ابـداً ........ الشرك بالله والإضرار بـالـنـاس وما أحسن قول الشاعر : إذا
أنت لم يصحبك زاد من التقى ........ ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا
تكون كمثلـه . وإنك لم ترصد كما كان أرصدا ثم تقدمت الجارية الثالثة بعد أن
تأخرت الثانية
وقالت : إن باب الزهد واسع جداً ولكن ذكر بعض ما يحضرني
فيه عن السلف الصالح . قال بعض العارفين : أنا أستبشر بالموت ولا أتيقن فيه
راحة فيراني علمت أن الموت يحول بين المرء وبين الأعمال فأرجو مضاعفة العمل الصالح
وانقطاع العمل السيء ، وكان عطاء السلمي إذا فرغ من وصيته انتفض وارتعد وبكى بكاء
شديداً فقيل له : لم ذلك ?
فقال : إني أتريد أن أقبل على أمر عظيم وهو الانتصاب بين
يدي الله تعالى للعمل بمقتضى الوصية . ولذلك كان علي زين العابدين بن الحسين يرتعد
إذا قام للصلاة ، فسئل عن ذلك فقال : أتدرون لمن أقوم ولمن أخاطب ? وقيل
كان بجانب سفيان الثوري رجل ضرير فإذا كان يوم القيامة آتي بأهل القرآن فيميزون
بعلامة مزيد الكرامة عمن سواهم . وقال سفيان : لو أن النفس استقرت في القلب
كما ينبغي لطار فرحاً وشوقاً إلى الجنة وحزناً وخوفاً من النار . وعن سفيان الثوري
أنه قال : النظر إلى وجه الظالم خطيئة ثم تأخرت الجارية الثالثة وتقدمت
الجارية الرابعة وقالت : وها أنا أتكلم ببعض ما يحضرني من أخبار
الصالحين : روي أن بشر الحافي قال : سمعت خالداً يقول : إياكم
وسرائر الشرك .
فقلت له : وما سرائر الشرك ? قال : أن يصلي
أحدكم فيطيل ركوعه وسجوده حتى يلحقه الحدب . وقال بعض العارفين : فعل الحسنات
يكفر السيئات . وقال بعض العارفين : التمست من بشر الحافي شيئاً من سرائر
الحقائق فقال : يا بني هذا العلم لا ينبغي أن نعلمه كل أحد فمن كل مائة خمسة
مثل زكاة الدرهم . قال إبراهيم بن أدهم : فاستحليت كلامه واستحسنته فبينما
أنا أصلي وإذا ببشر يصلي ، فقمت وراءه أركع إلى أن يؤذن المؤذن فقام رجل رث الحالة
وقال : يا قوم احذروا الصدق الضار ولا بأس بالكذب النافع وليس مع الاضطرار
اختيار ولا ينفع الكلام عند العدم كما لا يضر السكوت عند وجود الوجود . وقال
إبراهيم : رأيت بشر سقط منه دانق فقمت إليه وأعطيته درهماً فقال : لا
آخذه . فقلت : إنه من خالص الحلال . فقال : أنا لست أستبدل نعم الدنيا
بنعم الآخرة . ويروى أن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل . وهنا أدرك شهرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الواحدة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان
قال لضوء المكان : إن الجارية قالت لوالدك : إن أخت بشر الحافي قصدت
أحمد بن حنبل فقالت له : يا إمام الدين إنا قوم نغزل بالليل ونشتغل بمعاشنا
في النهار وربما تمر بنا مشاعل ولاة بغداد ونحن على السطح نغزل في ضوئها فهل يحرم
علينا ذلك ? قال لها : من أنت ? قالت : أخت بشر الحافي .
فقال : يا أهل بشر لا أزال أستنشق الورع من قلوبكم . وقال بعض
العارفين : إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل . وكان ملك بن دينار
إذا مر في السوق ورأى ما يشتهيه يقول : يا نفس اصبري فلا أوافقك على ما
تريدين . وقال أيضاً : سلامة النفس في مخالفتها وبلاؤها في متابعتها . وقال
منصور بن عمار : حججت حجة فقصدت مكة من طريق الكوفة وكانت ليلة مظلمة وإذا
بصارخ يصرخ في جوف الليلة ويقول : إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك
وما أنا جاهل بك ولكن خطيئة قضيتها علي في قديم أزلك فاغفر لي ما فرط مني فإني قد
عصيتك بجهلي . فلما فرغ من دعائه تلا هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا قوا
أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة . وسمعت سقطة لم أعرف لها حقيقة فمضيت
، فلما كان الغد مشينا إلى مدرجنا وإذا بجنازة خرجت وراءها عجوز ذهبت قوتها
فسألتها عن الميت فقالت : هذه جنازة رجل كان مر بنا البارحة وولدي قائم يصلي
فتلا آية من كتاب الله تعالى فانفطرت مرارة ذلك الرجل فوقع ميتاً . ثم تأخرت
الجارية الرابعة وتقدمت الجارية الخامسة وقالت : ها أنا أذكر بعض ما يحضرني
من أخبار السلف الصالح : كان مسلمة بن دينار يقول : عند تصحيح الضمائر
نغفر الصغائر والكبائر ، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه الفتوح وقال :
كل نعمة لا تقرب إلى الله فهي بلية وقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وكثيرها
ينسيك قليلها . وسئل أبو حازم : من أيسر الناس ? فقال : رجل امضى
عمره في طاعة الله . قال : فمن أحمق الناس ? قال : رجل باع آخرته
بدنيا غيره . وروي أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين قال : رب إني لما
أنزلت لي من خير فقير فسأل موسى ربه ولم
يسأل الناس وجاءت الجاريتان فسقى لهما ولم تصدر الرعاء فلما رجعتا أخبرتا أباهما
شعيباً فقال لهما : لعله جائع . ثم قال لإحداهن : ارجعي إليه وادعيه .
فلما أتته غطت وجهها وقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فكره
موسى ذلك وأراد أن لا يتبعها وكانت امرأة ذات عجز فكانت الريح تضرب ثوبها فيظهر
لموسى عجزها فيغض بصره ثم قال : لهاك كوني خلفي . فمشت خلفه حتى دخل على شعيب
والعشاء مهيأ . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
الليلة الثانية بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان
قال لضوء المكان : وقالت الجارية الخامسة لوالدك : فدخل موسى على شعيب
عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال شعيب لموسى : يا موسى إني أريد أن أعطيك أجر
ما سقيت لهما فقال موسى : أنا من أهل
بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بما على الأرض من ذهب وفضة . فقال شعيب : يا
شاب ولكن أنت ضيفي وإكرام الضيف عادتي وعادة آبائي بإطعام الطعام . فجلس موسى فأكل
، ثم إن شعيباً استأجر موسى ثماني حجج أي ثماني سنين وجعل أجرته على ذلك تزويجه
إحدى ابنتيه وكان عمل موسى لشعيب صداقاً لها كما قال تعالى حكاية عنه : أني
أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تؤجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك
وما أريد أن أشق عليك . وقال رجل لبعض أصحابه وكان له مدة لم يره : إنك
أوحشتني أني ما رأيتك منذ زمان . قال : اشتغلت عنك بابن شهاب أتعرفه ?
قال : نعم هو جاري منذ ثلاثين سنة إلا أنني لم أكلمه . قال له : إنك
نسيت الله فنسيت جارك ولو أحببت الله لأحببت جارك ، أما علمت أن للجار علي حقاً
كحق القرابة ? وقال حذيفة : دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم وكان شقيق
البلخي قد حج في تلك السنة فاجتمعنا في الطواف فقال إبراهيم لشقيق : ما شأنكم
في بلادكم ? فقال شقيق : إننا إذا رزقنا أكلنا وإذا جعنا صبرنا .
فقال : كذا تفعل كلاب بلخ ولكننا إذا رزقنا آثرنا وإذا جعنا شكرنا . فجلس
شقيق بين يدي إبراهيم قال له : أنت أستاذي . وقال محمد بن عمران : سأل
رجل حاتماً الأصم فقال له : ما أمرك في التوكل على الله تعالى ?
قال : على خصلتين ، علمت أن رفاقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي به وعلمت أني
لم أخلق من غير علم الله فاستحييت منه . ثم تأخرت الجارية الخامسة وتقدمت العجوز
وقبلت الأرض بين يدي والدك تسع مرات وقالت : قد سمعت أيها الملك ما تكلم به
الجميع في باب الزهد وأنا تابعة لهن فاذكر بعض ما بلغني عن أكابر المتقدمين .
قيل : كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقسم الليل ثلاثة أقسام : الثلث
الأول للعلم والثاني للنوم والثالث للتهجد . وكان الإمام أبو حنيفة يحيي نصف الليل
فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال الآخران : إن هذا يحيي الليل كله . فلما سمع ذلك قال : إني أستحي من الله أن
أوصف بما ليس في . فصار بعد ذلك يحيي الليل كله . وقال الربيع : كان الشافعي
يختم القرآن في شهر رمضان سبعين مرة كل ذلك في الصلاة وقال الشافعي رضي الله
عنه : ما شبعت من خبز الشعير عشر سنين لأن الشبع يقسي القلب ويزيل الفطنة
ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن القيام . وروي عن عبد الله ومحمد السكري أنه
قال : كنت أنا وعمرة نتحدث فقال لي : ما رأيت أروع ولا أفصح من محمد بن
إدريس الشافعي . واتفق أنني خرجت أنا والحرث بن لبيب الصغار وكان الحرث تلميذ
المزني وكان صوته حسناً فقرأ قوله تعالى : هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم
فيعتذرون . فرأيت الإمام الشافعي تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطراباً شديداً
وخر مغشياً عليه فلما أفاق قال : أعوذ بالله من مقام الكذابين وأعراض
الغافلين اللهم لك خشعت قلوب العارفين اللهم هب لي غفران ذنوبي من جودك وجملني
بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك . ثم قمت وانصرفت وقال بعض الثقات : لما دخلت بغداد كان
الشافعي بها فجلست على الشاطئ لأتوضأ للصلاة إذ مر بي إنسان فقال لي : يا
غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة . فالتفت وإذا برجل يتبعه جماعة
فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفوا أثره فالتفت إلي وقال : هل لك من حاجة ?
فقلت : نعم تعلمني مما علمك الله تعالى . فقال : اعلم أن من صدق الله
ونجا ومن نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ومن زهد في الدنيا قرت عيناه غداً
أفلا أزيدك ? قلت : بلى . قال : كن في الدنيا زاهداً وفي الآخرة
راغباً واصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين . ثم مضى فسألت عنه فقيل لي : هذا
الإمام الشافعي . وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول : وددت أن الناس
ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت
عن الكلام المباح .
الليلة الثالثة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان
قال لضوء المكان : قالت العجوز لوالدك : كان الإمام الشافعي يقول :
وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء . وقال : ما ناظرت
أحداً إلا أحببت أن يوفقه الله تعالى للحق ويعينه على إظهاره وما ناظرت أحداً قط
إلا لأجل إظهار الحق وما أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه . وقال
رضي الله تعالى عنه : إذا خفت على علمك العجب فاذكر رضا من تطلب وفي أي نعيم
ترغب ومن أي عقاب ترهب . وقيل لأبي حنيفة : إن أمير المؤمنين أبا جعفر
المنصور قد جعلك قاضياً ورسم لك بعشرة آلاف درهم فما رضي ، فلما كان اليوم الذي
توقع أن يؤتى إليه فيه بالمال صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم ثم جاء رسول أمير
المؤمنين بالمال فلما دخل عليه وخاطبه لم يكلمه فقال له رسول الخليفة : إن
هذا المال حلال . فقال : اعلم أنه حلال لي ولكني أكره أن يقع في قلبي مودة
الجبابرة . فقال له : لو دخلت إليهم وتحفظت من ودهم . قال : هل آمن أن
ألج البحر ولا تبتل ثيابي . من كلام الشافعي رضي الله عنه :
ألا يا نفس إن ترضي بقولي ........ فأنت عزيزة أبـداً غـنـية
دعي عنك المطامع والأماني ........ فكم أمنية جلبـت غـنـية
ومن كلام سفيان النوري فيما أوصى به علي بن الحسين
السلمي : عليك بالصدق وإياك والكذب والخيانة والرياء فإن العمل الصالح يحيطه
الله بخصلة من هذه الخصال ولا تأخذ دينك إلا عمن هو مشفق على دينه وليكن جليسك من
يزهدك في الدنيا وأكثر ذكر الموت وأكثر الاستغفار واسأل الله السلامة فيما بقي من
عمرك وانصح كل مؤمن إذا سألك عن أمر دينه وإياك أن تخون مؤمناً فإن من خان مؤمناً
فقد خان الله ورسوله ، وإياك الجدال والخصام ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك تكن
سليماً وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر تكن حبيب الله وأحسن سريرتك يحسن الله
علانيتك واقبل المعذرة ممن اعتذر إليك ولا تبغض أحداً من المسلمين وصل من قطعك
واعف عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء وليكن أمرك مفوضاً إلى الله في السر والعلانية
واخش الله من خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث وسائر إلى الحشر والوقوف بين يدي
الجبار واذكر مصيرك إلى إحدى الدارين أما إلى جنة عالية وأما إلى نار حامية . ثم
إن العجوز جلست إلى جانب الجواري فلما سمع والدك المرحوم كلامهن علم أنهن أفضل أهل
زمانهن ورأى حسنهن وجمالهن وزيادة أدبهن فأواهن إليه وأقبل على العجوز فأكرمها
وأخلى لها هي وجواريها القصر الذي كانت فيه الملكة إبريزة بنت ملك الروم ونقل
إليهن ما يحتجن إليه من الخيرات فأقامت عنده عشرة أيام وكلما دخل عليها يجدها
معتكفة على صلاتها وقيامها في ليلها وصيامها فوقع في قلبه محبتها وقال لي :
يا وزير إن هذه العجوز من الصالحات وقد عظمت في قلبي مهابتها . فلما كان اليوم
الحادي عشر اجتمع بها من جهة دفع ثمن الجواري إليها فقالت له : أيها الملك
اعلم أن ثمن هذه الجواري فوق ما يتعامل الناس به فإني ما أطلب فيهن ذهباً ولا فضة
ولا جواهر قليلاً كان ذلك . فلما سمع والدك كلامها تحير وقال : أيها السيدة
وما ثمنهن ? قالت : ما أبيعهن لك إلا بصيام شهر كامل تصوم نهاره وتقوم
ليله لوجه الله تعالى فإن فعلت ذلك فهن لك في قصرك تصنع بهن ما شئت . فتعجب الملك
من كمال صلاحها وزهدها وورعها وعظمت في عينه وقال نفعنا الله بهذه المرأة الصالحة
ثم اتفق معها على أن يصوم الشهر كما اشترطته عليه . فقالت : وأنا أعينك
بدعوات أدعو بهن لك فائتني بكوز ماء . فأخذته وقرأت عليه وهممت وقعدت ساعة تتكلم
بكلام لا تفهمه ولا تعرف منه شيئاً ، ثم غطته بخرقة وختمته وناولته لوالدك وقالت
له : إذا صمت العشرة الأولى فأفطر في الليلة الحادية عشرة على ما في هذا
الكوز فإنه ينزع حب الدنيا من قلبك ويملأه نوراً وإيماناً وفي غد أخرج إلى أخواني
وهم رجال الغيب فإني اشتقت إليهم ثم أجيء إليك إذا مضت العشرة الأولى . فأخذ والدك
الكوز ثم نهض وأفرد له خلوة في القصر ووضع الكوز فيها وأخذ مفتاح الخلوة في جيبه
فلما كان النهار صام السلطان وخرجت العجوز إلى حال سبيلها . وهنا أدرك شهرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الرابعة بعد المئة :
قالت
شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان :
فلما كان النهار صام وخرجت العجوز في حال سبيلها وأتم الملك صوم العشرة أيام وفي
اليوم الحادي عشر فتح الكوز وشربه فوجد له في فؤاده فعلاً جميلاً وفي العشرة أيام
الثانية من الشهر جاءت العجوز ومعها حلاوة في ورق أخضر يشبه ورق الشجر فدخلت على
والدك وسلمت عليه فلما رآها قام وقال لها : مرحباً بالسيدة الصالحة . فقالت
له : أيها الملك أن رجال الغيب يسلمون عليك لأني أخبرتهم عنك فرحوا بك
وأرسلوا معي هذه الحلاوة وهي من حلاوة الآخرة فأفطر عليها في آخر النهار . ففرح
والدك فرحاً زائداً وقال : الحمد لله الذي جعل لي إخواناً من رجال الغيب . ثم
شكر العجوز وقبل يديها وأكرمها وأكرم الجواري غاية الإكرام ثم مضت مدة عشرين يوماً
وأبوك صائم وعند رأس العشرين يوماً أقبلت عليه العجوز وقالت : أيها الملك
اعلم أني أخبرت رجال الغيب بما بيني وبينك من المحبة وأعلمتهم بأني تركت الجواري
عندك ، ففرحوا حيث كانت الجواري عند ملك مثلك لأنهم إذا رأوهن يبالغون في الدعاء
المستجاب فأريد أن أذهب بهن إلى رجال الغيب لتحصيل نفحاتهم لهن وربما أنهن لا
يرجعن إليك إلا ومعهن كنز من كنوز الأرض حتى أنك بعد تمام صومك تشتغل بكسوتهن
وتستعين بالمال الذي يأتيك به على أغراضك . فلما سمع والدك كلامها شكرها على ذلك
وقال لها : لولا أني أخشى مخالفتي لك ما رضيت بالكنز ولا بغيره ولكن متى
تخرجن بهن ? فقالت له : في الليلة السابعة والعشرين فأرجع بهن إليك في
رأس الشهر وتكون أنت قد أوفيت الصوم وحصل استبراؤهن وصرن لك وتحت أمرك ، والله أن
كل جارية ثمنها أعظم من ملكك مرات . فقال لها : وأنا أعرف ذلك أيتها السيدة
الصالحة . فقالت له : بعد ذلك ولا بد أن ترسل معهن من يعز عليك من القصر حتى
تجد الأنس ويلتمس البركة من رجال الغيب . فقال لها : عندي جارية رومية اسمها
صفية ورزقت منها بولدين أنثى وذكر ولكنهما فقدا منذ سنتين فخذيها معهن لأجل أن
تحصل البركة . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الخامسة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان
قال لضوء المكان : لعل رجال الغيب يدعون الله لها بأن يرد عليها ولديها ويجمع
شملنا بهما . فقالت العجوز : نعم ما قلت وكان ذلك أعظم غرضها . ثم إن والدك
أخذ في تمام صيامه ، فقالت له : يا ولدي إني متوجهة إلى رجال الغيب فأحضر لي
صفية . فدعا بها في ساعتها فسلمها إلى العجوز فخلطتها بالجواري ، ثم دخلت العجوز
مخدعها وخرجت للسلطان بكأس مختوم وناولته له وقالت : إذا كان يوم الثلاثين
فادخل الحمام ثم اخرج منه وادخل خلوة من الخلاوي التي في قصرك واشرب هذا الكأس وثم
فقد نلت ما تطلب والسلام مني عليك . فعند ذلك فرح الملك وشكرها وقبل يدها فقالت
له : أستودعك الله . ثم قال لها : ومتى أراك أيتها السيدة الصالحة فإني
أود أن لا أفارقك ? فدعت له وتوجهت ومعها الجواري والملكة صفية وقعد الملك
بعدها ثلاثة أيام ثم قام ودخل الحمام وخرج منه إلى الخلوة التي في القصر وأمر أن
لا يدخل عليه أحد ورد الباب عليه ثم شرب الكأس ونام ونحن قاعدون في انتظاره إلى
آخر النهار فلم يخرج من الخلوة قلنا : لعله تعبان من الحمام ومن سهر الليل
وصيام النهار فبسبب ذلك نام . فانتظرناه ثاني يوم فلم يخرج فوقفنا بباب الخلوة
وأعلنا برفع الصوت لعله ينتبه ويسأل عن الخبر فلم يحصل منه صوت ، فخلعنا الباب
ودخلنا عليه فوجدناه قد تمزق لحمه وتفتت عظمه . فلما رأيناه على هذه الحالة عظم
علينا ذلك وأخذنا الكأس فوجدنا في غطائه قطعة من ورق مكتوباً فيها : من أساء
لا يستوحش منه وهذا جزاء من يحتال على بنات الملوك ويفسدهن والذي نعلم به كل من
وقف على هذه الورقة . إن شركان لما جاء بلادنا أفسد علينا الملكة إبريزة وما كفاه
ذلك حتى أخذها من عندنا وجاء بها إليكم ثم أرسلها مع عبد أسود فقتلها ووجدناها
مقتولة في الخلاء مطروحة على الأرض ، فهذا ما هو فعل الملوك ، وهذا جزاء من يفعل
هذا الفعل إلا ما حل به ، وأنتم لا تتهموا أبداً بقتله ، ما قتله إلا العاهرة
الشاطرة التي اسمها ذات الدواهي ، وها أنا أخذت زوجة الملك صفية ومضيت بها إلى
والدها أفريدون ملك القسطنطينية ، ولا بد أن نغزوكم ونقتلكم ونأخذ منكم الديار
فتهلكون عن آخركم ولا يبقى منكم ديار ولا من ينفخ النار إلا من يعبد الصليب
والزنار . فلما قرأنا هذه الورقة علمنا أن العجوز خدعتنا وتمت حيلتها علينا فعند
ذلك صرخنا ولطمنا على وجوهنا وبكينا فلما يفدنا البكاء شيئاً ، واختلفت العساكر
فيمن يجعلونه سلطاناً عليهم فمنهم من يريدك ومنهم من يريد أخاك شركان ولم نزل في
هذا الاختلاف مدة شهر ، ثم جمعنا بعضنا وأردنا أن نمضي إلى أخيك شركان فسافرنا إلى
أن وجدناك ، وهذا سبب موت الملك عمر النعمان . فلما فرغ الوزير من كلامه بكى ضوء
المكان هو وأخته نزهة الزمان وبكى الحاجب أيضاً . ثم قال الحاجب لضوء
المكان : أيها الملك أن البكاء لا يفيدك شيئاً ولا يفيدك إلا أن تشد قلبك وتقوي عزمك وتؤيد
مملكتك ومن خلف ذلك . فعند ذلك سكت عن بكائه وأمر بنصب السرير خارج الدهليز ، ثم
أمر أن يعرضوا عليه العساكر ووقف الحاجب بجانبه والسلحدراية من ورائه ووقف الوزير
دندان قدامه ووقف كل واحد من الأمراء وأرباب الدولة في مرتبته ، ثم إن الملك ضوء
المكان قال للوزير دندان : أخبرني بخزائن أبي فقال الوزير دندان : سمعاً وطاعة . وأخبره
بخزائن الأموال وبما فيها من الذخائر والجواهر وعرض عليه ما في خزانته من الأموال
فأنفق على العساكر وخلع على الوزير دندان خلعة سنية ، وقال له : أنت في مكانك
. فقبل الأرض بين يديه ودعا له بالبقاء ثم خلع على الأمراء ثم إنه قال للحاجب :
أعرض علي الذي معك من خراج دمشق . فعرض عليه صناديق المال والتحف والجواهر فأخذها
وفرقها على العساكر . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة السادسة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن ضوء المكان أمر
الحاجب أن يعرض عليه ما أتى به من خراج دمشق فعرض عليه صناديق المال والتحف
والجواهر فأخذها وفرقها على العساكر ولم يبق منها شيئاً ، فقبل الأمراء الأرض بين
يدي ضوء المكان ودعوا له بطول البقاء وقالوا : ما رأينا ملكاً يعطي مثل هذه
العطايا . ثم إنهم مضوا إلى خيامهم فلما أصبحوا أمرهم بالسفر فسافروا ثلاثة أيام
وفي اليوم الرابع أشرفوا على بغداد فدخلوا المدينة فوجدوها قد تزينت ، وطلع
السلطان ضوء المكان قصر أبيه وجلس على السرير ووقف أمراء العسكر والوزير دندان
وحاجب دمشق بين يديه فعند ذلك أمر كاتب السر أن يكتب كتاباً إلى أخيه شركان ويذكر
فيه ما جرى من الأول إلى الآخر ويقول في آخره : وساعة وقوفك على هذا المكتوب
تجهز أمرك وتحضر بعسكرك حتى تتوجه إلى غزو الكفار ونأخذ منهم الثأر ونكشف العار .
ثم طوى الكتاب وختمه وقال للوزير دندان : ما يتوجه بهذا الكتاب إلا أنت ولكن
ينبغي أن تتلطف به في الكلام وتقول له : إن أردت ملك أبيك فهو لك وأخوك
نائباً عنك في دمشق كما أخبرنا بذلك . فنزل الوزير دندان من عنده وتجهز للسفر ، ثم
إن ضوء المكان أمر أن يجعلوا للوقاد مكاناً حسناً ويفرشوه بأحسن الفرش ، وذلك
الوقاد له حديث طويل . ثم إن ضوء المكان توجه يوماً إلى الصيد والقنص وعاد إلى
بغداد فقدم له بعض الأمراء من الخيول والجياد ومن الجواري الحسان ما يعجز عن وصفه
اللسان فأعجبته جارية منهن فاختلى بها ودخل عليها في تلك الليلة فعلقت منه من
ساعتها . وبعد مدة عاد الوزير دندان من سفره وأخبره بخبر أخيه شركان وإنه قادم
عليه وقال له : ينبغي أن تخرج وتلاقيه . فقال له ضوء المكان : سمعاً
وطاعة . فخرج إليه مع كبار دولته من بغداد مسيرة يوم ، ثم نصب خيامه هناك لانتظار
أخيه . وعند الصباح أقبل الملك شركان في عساكر الشام ما بين فارس مقدام وأسد ضرغام
وبطل مصدام ، فلام أشرفت الكتائب وقدمت النجائب وأقبلت المصائب وخفقت أعلام
المراكب توجه ضوء المكان هو ومن معه لملاقاتهم فلما عاين ضوء المكان أراد أن يترجل
إليه فأقسم عليه شركان أن لا يفعل ذلك ، وترجل شركان ومشى نحوه فلما صار بين يدي
ضوء المكان رمى ضوء المكان نفسه عليه فاحتضنه شركان إلى صدره وبكيا بكاءاً شديداً
وعزى بعضهما بعضاً . ثم ركب الاثنان وسار العسكر معهما إلى أن أشرفوا على بغداد
ونزلوا ، ثم تقدم ضوء المكان هو وأخوه شركان إلى قصر الملك وباتا تلك الليلة ،
وعند الصباح نهض ضوء المكان وأمر أن يجمعوا العساكر من كل ناحية وينادون بالغزو
والجهاد ثم أقاموا ينتظرون مجيء الجيوش من سائر البلدان وكل من حضر يكرمونه
ويعدونه بالجميل إلى أن مضى على ذلك الحال مدة شهر كامل والقوم يأتون أفواجاً
متتابعة ، ثم قال شركان لأخيه : يا أخي أعلمني بقضيتك . فأعلمه بجميع ما وقع
له من الأول إلى الآخر ، وبما صنعه معه الوقاد من المعروف ، فقال له : يا أخي
ما كافأته إلى الآن ولكن أكافئه إن شاء الله تعالى لما أرجع من الغزوة . وهنا أدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
الليلة السابعة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن شركان قال
لأخيه ضوء المكان : أما كافأت الوقاد على معروفه ? فقال له ضوء
المكان : يا أخي ما كافأته إلى الآن ولكن إن شاء الله تعالى لما أرجع من
الغزوة وأتفرغ له . فعند ذلك عرف شركان أن أخته نزهة الزمان صادقة في جميع ما
أخبرته به ، ثم كتم أمره وأمرها وأرسل إليها السلام مع الحاجب زوجها فبعثت له أيضاً
معه السلام ودعت له وسألت عن ابنتها قضى فأخبرها أنها بعافية وأنها في غاية ما
يكون من الصحة والسلامة فحمدت الله تعالى وشكرته ، ورجع شركان إلى أخيه يشاوره في
أمر الرحيل فقال له : يا أخي لما تتكامل العساكر وتأتي العربان من كل مكان .
ثم أمر بتجهيز المسيرة وإحضار الذخيرة ودخل ضوء المكان إلى زوجته وكان مضى لها
خمسة أشهر وجعل أرباب الأقلام وأهل الحساب تحت طاعتها ورتب لها الجرايات والجوامك
وسافر في ثالث شهر من حين نزول عسكر الشام بعد أن قدمت العربان وجميع العساكر من
كل مكان وسارت الجيوش والعساكر وتتابعت الجحافل وكان اسم رئيس عسكر الديلم رستم
واسم رئيس عسكر الترك بهرمان . وسار ضوء المكان في وسط الجيوش وعن يمينه أخوه
شركان وعن يساره الحاجب صهره ولم يزالوا سائرين مدة شهر وكل جمعة ينزلون في مكان
يستريحون فيه ثلاثة أيام لأن الخلق كثيرة ، ولم يزالوا سائرين على هذه الحالة حتى
وصلوا إلى بلاد الروم فنفر أهل القرى والضياع والصعاليك وفروا إلى القسطنطينية فلما سمع
أفريدون ملكهم بخبرهم قام وتوجه إلى ذات الدواهي فإنها هي التي دبرت الحيل وسافرت
إلى بغداد حتى قتلت الملك عمر النعمان ، ثم أخذت جواريها الملكة صفية ورجعت
بالجميع إلى بلادها . فلما رجعت إلى ولدها ملك الروم وأمنت على نفسها قالت
لابنها : قر عيناً فقد أخذت لك بثأر ابنتك إبريزة وقتلت الملك النعمان وجئت
بصفية ، فقم الآن وتوجه إلى ملك القسطنطينية وأظن أن المسلمين لا يثبتون على
قتالنا . فقال : أمهلي أن يقربوا من بلادنا حتى نجهز أحوالنا . ثم أخذوا في
جمع رجالهم وتجهز أحوالهم فلما جاءهم الخبر كانوا قد جهزوا حالهم وجمعوا الجيوش
وسارت في أوائلهم ذات الدواهي فلما وصلوا إلى القسطنطينية سمع الملك الأكبر ملكها
أفريدون بقدوم حردوب ملك الروم فخرج لملاقاته فلما اجتمع أفريدون بملك الروم سأله
عن حاله وعن سبب قدومه فأخبره بما عملته أمه ذات الدواهي من الحيل وأنها قتلت ملك
المسلمين وأخذت من عنده الملكة صفية وقالوا أن المسلمين جمعوا عساكرهم . وهنا أدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الثامنة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن أفريدون قال
لملك الروم : أن المسلمين جمعوا عساكرهم وجاؤوا ونريد أن نكون جميعاً يداً
واحدة ونلقاهم . ففرح الملك أفريدون بقدوم ابنته وقتل عمر النعمان وأرسل إلى سائر
الأقاليم طالباً منهم النجدة ويذكر لهم أسباب قتل الملك عمر النعمان فهرعت إليه
جيوش النصارى فما مر ثلاثة شهور حتى تكاملت جيوش الروم ، ثم أقبلت الإفرنج من سائر
أطرافها كالفرنسيس والنمسا ودوبره وجورنه وبندق وجنوير وسائر عساكر بني الأصفر ،
فلما تكاملت العساكر وضاقت بهم الأرض من كثرتهم أمرهم الملك الأكبر أفريدون أن
يرحلوا من القسطيطينية فرحلوا واستمر تابع عساكرهم في الرحيل عشرة أيام وساروا حتى
نزلوا بواد واسع الأطراف وكان ذلك الوادي قريباً من البحر المالح فأقاموا ثلاثة
أيام ، وفي اليوم الرابع أرادوا أن يرحلوا فأتتهم الأخبار بقدوم عساكر الإسلام
وحماة ملة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام فأقاموا فيه ثلاثة أيام أخرى ، وفي
اليوم الرابع رأوا غباراً طار حتى سد الأقطار فلم تمض ساعة من النهار حتى انجلى
ذلك الغبار وتمزق إلى الجو وطارت ومحت ظلمته كواكب الأسنة والرماح وبريق بيض
الصفاح وبان من تحته رايات إسلامية وأعلام محمدية ، وأقبلت الفرسان كاندفاع البحار
في دروع تحسبها سحباً مزررة على أقمار ، فعند ذلك تقابل الجيشان والتطم البحران
ووقعت العين في العين فأول من برز للقتال الوزير دندان هو وعساكر الشام وكانوا
عشرين ألف عنان . وكان مع الوزير مقدم الترك ومقدم الديلم رستم وبهرام في عشرين
ألف فارس وطلع من ورائهم رجال من صوباً لبحر المالح وهم لابسون زرود الحديد وقد
صاروا فيه كالبدور السافرة في الليالي العاكرة وصارت عساكر النصارى ينادون عيسى
ومريم والصليب ثم انطبقوا على الوزير دندان ومن معه من عساكر الشام وكان هذا كله
تدبير العجوز ذات الدواهي لأن الملك أقبل عليها قبل خروجه وقال لها : كيف
العمل والتدبير وأنت السبب في هذا الأمر العسير ؟ فقالت : اعلم أيها الملك
الكبير والكاهن الخطير أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس ولو استعان عليه
بحزبه المتاعيس . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة التاسعة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك أن هذا كله كان تدبير
العجوز لأن الملك كان أقبل عليها قبل خروجها وقال لها : كيف العمل والتدبير
وأنت السبب في هذا الأمر العسير ؟ فقالت : اعلم أيها الملك الكبير والكاهن
الخطير أني أشير عليك بأمر يعجز عن تدبيره إبليس وهو أن ترسل خمسين ألفاً من
الرجال ينزلون في المراكب ويتوجهون في البحر إلى أن يصلوا إلى جبل الدخان فيقيمون
هناك ولا يرحلون من ذلك المكان حتى تأتيكم أعلام الإسلام فدونكم وإياهم ، ثم تخرج
إليهم العساكر من البحر ويكونون خلفهم ونحن نقابلهم من البر فلا ينجو منهم أحد وقد
زال عنا العناء ودام لنا الهناء . فاستصوب الملك أفريدون كلام العجوز وقال :
نعم الرأي رأيك يا سيدة العجائز الماكرة ومرجع الكهان في الفتن الثائرة وحين هجم عليهم عسكر الإسلام في ذلك الوادي لم
يشعر إلا والنار تلتهب في الخيام والسيوف تعمل في الأجسام ، ثم أقبلت جيوش بغداد
وخراسان وهم في مائة وعشرين ألف فارس وفي أوائلهم ضوء المكان ، فلما رآهم عسكر
الكفار الذين كانوا في البحر طلعوا إليهم من البحر وتبعوا أثرهم فلما رآهم ضوء
المكان قال : ارجعوا إلى الكفار يا حزب النبي المختار وقاتلوا أهل الكفار
والعدوان في طاعة الرحمن الرحيم . وأقبل شركان بطائفة أخرى من عساكر المسلمين نحو
مائة ألف وعشرين ألفاً وكانت عساكر الكفار نحو ألف ألف وستمائة ألف ، فلما اختلط
المسلمون ببعض قويت قلوبهم ونادوا قائلين : إن الله وعدنا بالنصر وأوعد
الكفار بالخذلان . ثم تصادموا بالسيف والسنان واخترق شركان الصفوف وهاج في الألوف
وقاتل قتالاً تشيب منه الأطفال ولم يزل يجول في الكفار ويعمل فيهم بالصارم البتار
وينادي الله أكبر حتى رد القوم إلى ساحل البحر وكانت منهم الأجسام ونصر دين
الإسلام والناس يقاتلون وهم سكارى بغير مدام وقد قتل من القوم في ذلك الوقت خمسة
وأربعون ألفاً وقتل من المسلمين ثلاثة آلاف وخمسمائة . ثم إن أسد الدين الملك
شركان لم ينم في تلك الليلة لا هو ولا أخوه ضوء المكان بل كانا يباشران الناس
وينقذان المرضى ويهنئانهم بالنصر والسلامة والثواب في القيامة . هذا ما كان من أمر
المسلمين . وأما ما كان من أمر الملك أفريدون ملك القسطنطينية وملك الروم وأمه
العجوز ذات الدواهي فإنهم جمعوا أمراء العسكر وقالوا لبعضهم : إنا كنا بلغنا
المراد وشفينا الفؤاد ولكن إعجابنا بكثرتنا هو الذي خذلنا . فقالت لهم العجوز ذات
الدواهي : إنه لا ينفعكم إلا أنكم تتقربون للمسيح وتتمسكون بالاعتقاد الصحيح ، فوحق المسيح ما قوى عسكر المسلمين إلا هذا الشيطان
الملك شركان . فقال الملك أفريدون : إني قد عولت في غد على أن أصف لهم الصفوف
وأخرج لهم الفارس المعروف لوقابن شملوط فإنه إذا برز إلى الملك شركان قتله وقتل
غيره من الأبطال حتى لم يبق منهم أحد ، وقد عولت في هذه الليلة على تقديسكم
بالبخور الأكبر . فلما سمعوا كلامه قبلوا الأرض . وكان البخور الذي أراده أخوه
البطريق الكبير ذو الإنكار والنكير فإنهم كانوا يتنافسون فيه ويستحسنون مساويه حتى
كانت أكابر بطارقة الروم يبعثونه إلى سائر أقاليم بلادهم في خرق من الحرير
ويمزجونه بالمسك والعنبر فإذا وصل خراؤه إلى الملوك يأخذون منه كل درهم بألف دينار
حتى كان الملوك يرسلون في طلبه من أجل بخور العرائس وكانت البطارقة يخلطونه
بخرائهم فإن خره البطريق الكبير لا يكفي عشرة أقاليم وكان خواص ملوكهم يجعلون
قليلاً منه في كحل العيون ويداوون به المريض والمبطون ، فلما أصبح الصباح وأشرق
بنوره ولاح وتبادرت الفرسان إلى حمل الرماح . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن
الكلام المباح .
الليلة العاشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه لما اصبح
الصباح عاد الملك أفريدون بخواص بطارقته وأرباب دولته وخلع عليهم ونقش الصليب في
وجوههم وبخرهم بالبخور المتقدم ذكره الذي هو خره البطريق الأكبر والكاهن الأكبر
فلما بخرهم دعا بحضور لوقا بن شملوط الذي يسمونه سيف المسيح وبخره بالرجيع وحنكه
به بعد التبخير ونشقه ولطخ به عوارضه ومسح بالفضلة شواربه وكان ذلك الملعون لوقا
ما في بلاد الروم أعظم منه ولا أرمى بالنبال ولا أضرب بالسيف ولا أطعن بالرمح
والنزال ، وكان بشع المنظر ، كان وجهه وجه حمار وصورته صورة قرد وطلعته طلعة
الرقيب وقربه أصعب من فراق الحبيب له من الليل ظلمته ومن البحر الأبخرة نكهته ومن
القوس قامته ومن الكفر سميته ، وبعد ذلك أقبل على الملك أفريدون وقبل قدميه ثم وقف
بين يديه فقال الملك أفريدون : إني أريد أن تبرز إلى شركان ملك دمشق ابن عمر
النعمان وقد انجلى عنا هذا الشر والهوان . فقال : سمعاً وطاعة . ثم أن الملك
نقش في وجهه الصليب وزعم أن النصر يحصل له عن قريب ثم انصرف لوقا من عند الملك
أفريدون وركب الملعون لوقا جواداً أشقر وعليه ثوب أحمر وزردية من الذهب المرصع
بالجواهر وحمل رمحاً له ثلاث حراب كأنه إبليس الليل يوم الأحزاب وتوجه هو وحزبه
كأنهم يساقون إلى النار وبينهم مناد ينادي بالعربي ويقول : يا أمة محمد لا
يخرج منكم إلا فارسكم سيف الإسلام شركان صاحب دمشق الشام . فما استتم كلامه إلا
وضجة في الفلا سمع صوتها جميع الملا وركضات فرقت الصفي واذكرت يوم حنين ففزع
اللئام منها ولفتوا الأعناق نحوها وإذا هو الملك شركان ابن الملك النعمان وكان
أخوه ضوء المكان لما رأى ذلك الملعون في الميدان وسمع المنادي التفت لأخيه شركان
وقال له : إنهم يريدونك . فقال : إن كان الأمر كذلك فهو أحب إلي . فلما
تحققوا الأمر وسمعوا هذا المنادي وهو يقول في الميدان : لا يبرز إلا شركان علموا أن هذا الملعون فارس بلاد الروم وكان قد حلف أن يخلي الأرض من المسلمين وإلا
فهو أخسر الخاسرين لأنه هو الذي حرق الأكباد وفزعت من سره الأجناد من الترك
والديلم والأكراد ، فعند ذلك برز إليه شركان كأنه أسد غضبان وكان راكباً على ظهر
جواد يشبه شارد الغزالان فساقه نحو لوقا حتى صار عنده وهز الرمح في يده كأنه أفعى
من الحيات ، وأنشد هذه الأبيات :
لي أشقر سمج العنان مـغـاير ........ يعطيك
ما يرضيك من مجهوده
ومثقف لدن السنـان كـأنـمـا ........ أم المنايا ركبـت فـي
عـوده
ومهند غـضـب إذا جـردتـه ........ خلت البروق تموج في تجريده
فلم يفهم لوقا
معنى هذا الكلام ولا حماسة هذا النظام بل لطم وجهه بيده تعظيماً للصليب المنقوش
عليه ثم قبلها وأشرع الرمح نحو شركان وكر عليه ثم طوح الحربة بإحدى يديه حتى خفيت
عن أعين الناظرين وتلقاها باليد الأخرى كفعل الساحرين ثم رمى بها شركان فخرجت من
يديه كأنها شهاب ثاقب ، فضجت الناس وخافوا على شركان . فلما قربت الحربة منه
اختطفها من الهواء فتحيرت عقول الورى ، ثم إن شركان هزها بيده التي أخذها بها
النصراني حتى كادان يقصلها ورماها في الجو حتى خفيت عن النظر وتلقاها بيده الثانية
في أقرب من لمح البصر وصاح صيحة من صميم قلبه وقال : وحق من خلق السبع الطباق
لأجعلن هذا اللعين شهرة في الآفاق . ثم رماه بالحربة فأراد لوقا أن يفعل بالحربة
كما فعل شركان ومد يده إلى الحربة ليختطفها من الهواء فعاجله شركان بحربة ثانية
فضربه بها فوقعت في وسط الصليب الذي في وجهه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس
القرار . فلما رأى الكفار لوقا بن سملوط وقع مقتولاً لطموا على وجوههم ونادوا
بالويل والثبور واستغاثوا ببطارقة الديور . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن
الكلام المباح .
الليلة الحادية عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار لما
رأوا لوقا بن شملوط وقع مقتولاً لطموا على وجوههم واستغاثوا ببطارقة الديور
وقالوا : أين الصلبان وتزهد الرهبان ? ثم اجتمعوا جميعاً عليه وأعملوا
الصوارم والرماح وهجموا للحرب والكفاح والتقت العساكر بالعساكر وصارت الصدور تحت
وقع الحوافر وتحكمت الرماح والصوارم وضعفت السواعد والمعاصم وكان الخيل خلقت بلا
قوائم ولا زال منادي الحرب ينادي إلى أن كلت الأيادي وذهب النهار وأقبل الليل
بالاعتكار وافترق الجيشان وصار كل شجاع كالسكران من شدة الضرب والطعان وقد امتلأت
الأرض بالقتلى وعظمت الجراحات وصار لا يعرف الجريح ممن مات . ثم إن شركان اجتمع بأخيه
ضوء المكان والحاجب والوزير دندان ، فقال شركان لأخيه ضوء المكان والحاجب : إن الله
قد فتح باباً لهلاك الكافرين والحمد لله رب العالمين . فقال ضوء المكان
لأخيه : لم نزل نحمد الله لكشف الحرب عن العرب والعجم وسوف تتحدث الناس جيلاً
بعد جيل بما صنعت باللعين لوقا محرف الإنجيل وأخذك الحربة من الهواء وضربك لعدو
الله بين الورى ويبقى حديثك إلى آخر الزمان . ثم قال شركان : أيها الحاجب
الكبير والمقدام الخطير . فأجابه بالتلبية فقال له : خذ معك الوزير دندان
وعشرين ألف فارس وسر بهم إلى ناحية البحر مقدار سبعة فراسخ وأسرعوا في السير حتى
تكونوا قريباً من الساحل بحيث يبقى بينكم وبين القوم قدر فرسخين واختفوا في وهدات
الأرض حتى تسمعوا ضجة الكفار إذا طلعوا من المراكب وتسمعوا الصياح من كل جانب وقد
عملت بيننا وبينهم القواضب ، فإذا رأيتم عسكرنا تقهقروا إلى الوراء كأنهم منهزمون
وجاءت الكفار زاحفة خلفهم من جميع الجهات حتى من جانب الساحل فكونا لهم بالمرصاد
وإذا رأيت أنت علماً عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فارفع العلم الأخضر وصح قائلاً : الله أكبر . واحمل عليهم من ورائهم واجتهد
في أن لا يحول الكفار بين المنهزمين وبين البحر . فقال : السمع والطاعة .
واتفقوا على ذلك الأمر في تلك الساعة . ثم تجهزوا وساروا وقد أخذ الحاجب معه
الوزير دندان وعشرين ألفاً كما أمر الملك شركان ، فلما أصبح الصباح ركب القوم وهم
مجردون الصفاح ومعتلون بالرماح وحاملون السلاح وانتشرت الخلائق في الربا والبطاح
وصاحت القسوس وكشفت الرؤوس ورفعت الصلبان على قلوع المراكب وقصدوا الساحل من كل
جانب وأنزلوا الخيل في البر وعزموا من الكر والفر ولمعت السيوف وتوجهت الجموع
وبرقت شهب الرماح على الدروع ودارت طاحون المنايا على الرجال والفرسان وطارت
الرؤوس عن الأبدان وخرست الألسن وتغشت الأعين وانفطرت المرائر وعملت البواتر وطارت
الجماجم وقطعت المعاصم وخاضت الخيل في الدماء وتقابضوا باللحى وصاحت عساكر الإسلام
بالصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وبالثناء على الرحمن بما أولى من
الإحسان وصاحت عساكر الكفر بالثناء على الصليب والزنار والعصير والعصار والقسوس
والرهبان والشعانين والمطران وتأخر ضوء المكان هو وشركان إلى ورائهما وتقهقرت
الجيوش وأظهروا الانهزام للأعداء وزحفت عليهم عساكر الكفر لولهم الهزيمة وتهيئوا
للطعن والضرب فاستهل أهل الإسلام قراءة أول سورة البقرة وصارت القتلى تحت أرجل
الخيل مندثرة وصار منادي الروم يقول : يا عبدة المسيح وذوي الدين الصحيح يا
خدام الجاثليق قد لاح لكم التوفيق ، إن عساكر الإسلام قد جنحوا إلى الفرار فلا
تولوا عنهم الأدبار فمكنوا السيوف في أقفائهم ولا ترجعوا من ورائهم وإلا برئتم من
المسيح بن مريم الذي في المهد تكلم . وظن أفريدون ملك القسطنطينية أن عساكر الكفار
منصورة ولم يعلم أن ذلك من تدبير المسلمين صورة فارسل إلى ملك الروم يبشره بالظفر
ويقول له : ما نفعنا لا غائط البطريق الأكبر لما لاحت رائحته من اللحى
والشوارب بين عباد الصليب حاضر وغائب وأقسم بالمعجزات النصرانية المريمية والمياه
المعمودية ، أني لا أترك على الأرض مجاهداً بالكلية وأني مصر على سوء هذه النية .
وتوجه الرسول بهذا الخطاب ثم صاح على بعضهم قائلين : خذوا بثأر لوقا . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الثانية عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار صاحوا
على بعضهم قائلين : خذوا بثأر لوقا . وصار ملك الروم ينادي بالأخذ بثأر
إبريزة ، فعند ذلك صاح الملك ضوء المكان وقال : يا عباد الملك الديان اضربوا
أهل الكفر والطغيان ببيض الصفاح وسمر الرماح . فرجع المسلمون على الكفار وأعملوا
فيهم الصارم البتار وصار ينادي منادي المسلمين ويقول : عليكم بأعداء الدين يا
محب النبي المختار هذا وقت إرضاء الكريم الغفار يا راجي النجاة في اليوم المخيف ،
إن الجنة تحت ظلال السيوف . وإذا بشركان قد حمل ومن معه على الكفار وقطعوا عليهم طريق
الفرار وجال بين الصفوف وطاف وإذا بفارس مليح الانعطاف وقد فتح بين عسكر الكفر
ميداناً وجال في الكفرة حرباً وطعاناً وملأ الأرض رؤوساً وأبداناً وقد خافت الكفار
من حربه ومالت أعناقهم لطعنه وضربه قد تقلد بسيفين لحظ وحسام واعتقل برمحين قناة
وقوام بوفرة تغني عن وافر عدد العساكر كما قال فيه الشاعر : لا تحسن الوفرة
إلا وهـي ........ منشورة القرعين يوم النزال على فتى معتقل صـعـده ........ يعلها
من كل وافي السبـال فلما رآه شركان قال : أعيذك بالقرآن وآيات الرحمن من أنت
أيها الفارس من الفرسان فلقد أرضيت بفعلك الملك الديان الذي لا يشغله شأن عن شأن
حيث هزمت أهل الكفر والطغيان . فناداه الفارس قائلاً : أنت الذي بالأمس
عاهدتني فما أسرع ما نسيتني . ثم كشف اللثام عن وجهه حتى ظهر ما خفي من حسنه فإذا
هو ضوء المكان ففرح به شركان إلا أنه خاف عليه من ازدحام الأقران وانطباق الشجعان
وذلك لأمرين أحدهما صغر سنه وصيانته عن العين والثاني أن بقاءه للمملكة أعظم
الجناحين ، فقال له : يا ملك إنك لقد خاطرت بنفسك فالصق جوادك بجوادي فإني لا
آمن عليك من الأعادي والمصلحة في أن لا تخرج من تلك العصائب لأجل أن ترمي الأعداء
بسهمك الصائب . فقال ضوء المكان : أني أردت أن أساويك في النزال ولا أبخل
بنفسي بين يديك في القتال . ثم انطبقت عساكر الإسلام على الكفار وأحاطوا بهم من
جميع الأقطار وجاهدوهم حق الجهاد وكسروا شوكة الكفر والعناد والفساد فتأسف الملك
أفريدون لما رأى ما حل بالروم من الأمر المذموم وركنوا إلى الفرار يقصدون المراكب
، وإذا بالعساكر قد خرجت عليهم من ساحل البحر وفي أوائلهم الوزير دندان مجندل
الشجعان وضرب فيهم بالسيف والسنان وكذا بالأمير بهرام صاحب دوائر الشام وهو في
عشرين ألف ضرغام وأحاطت بهم عساكر الإسلام من خلف ومن أمام ومالت فرقة من المسلمين
على من كان في المراكب وأوقعوا فيهم المعاطب فرموا أنفسهم في البحر وقتلوا منهم
جمعاً عظيماً يزيد على مائة ألف فارس ولم ينج من أبطالهم صغير ولا كبير وأخذوا
مراكبهم بما فيها من الأموال والذخائر والأثقال إلا عشرين مركباً ، وغنم المسلمون
في ذلك اليوم غنيمة ما غنم مثلها في سالف الزمان إذن بمثل هذا الحرب والطعان ، ومن
جملة ما غنموه خمسون ألفاً من الخيل غير من مزيد بما من الله عليهم من النصر والتأييد . هذا ما كان من أمرهم . وأما ما كان من أمر
المنهزمين فإنهم وصلوا إلى القسطنطينية وكان الخبر قد وصل إلى أهاليها أولاً بأن
الملك أفريدون هو الظافر بالمسلمين فقالت العجوز ذات الدواهي : أنا أعلم أن
ولدي ملك الروم لا يكون من المنهزمين ولا يخاف من الجيوش الإسلامية ويرد أهل الأرض
إلى ملة النصرانية . ثم إن العجوز كانت أمرت أفريدون أن يزين البلد فأظهروا السرور
وشربوا الخمور وما علموا بالمقدور ، فبينما هم في وسط الأفراح إذ نعق عليهم غراب
الحزن والأتراح وأقبلت عليهم العشرون مركباً الهاربة وفيها ملك الروم فقابلهم
أفريدون ملك القسطنطينية على الساحل وأخبرهم بما جرى لهم من المسلمين فزاد بكاؤهم
وعلا نحيبهم وانقلبت بشارات الخير بالغم والضير أخبروه أن لوقا بن شملوط حلت به
النوائب وتمكن منه سهم المنية الصائب فقامت على الملك أفريدون القيامة وعلم أن
اعوجاجهم ليس له استقامة وقامت بينهم المآتم وانحلت منهم العزائم وندبت النوادب
وعلا النحيب والبكاء من كل جانب ، ولما دخل ملك الروم أفريدون وأخبره بحقيقة الحال
وأن هزيمة المسلمين كانت على وجه الخداع والمحال قال له : لا تنتظر أن يصل من
العسكر إلا من وصل إليك . فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام وقع مغشياً عليه وصار
أنفه تحت قدميه . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الثالثة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك أفريدون
لما أفاق من غشيته نفض خوف جراب معدته فشكا إلى العجوز ذات الدواهي وكانت تلك
اللعينة كاهنة من الكهان متقنة للسحر والبهتان عامرة مكارة فاجرة غدارة ولها فم
وشعر أشهب وظهر أحدب ولون حائل ومخاط سائل لكنها قرأت كتب الإسلام وسافرت إلى بيت
الله الحرام كل ذلك لتطلع على الأدبار وتعرف آيات القرآن ومكثت في بيت المقدس
سنتين لتحوز مكر النقلين . فهي آفة من الآفات وبلية من البليات فاسدة الاعتقاد
ليست لدين تنقاد وكانت أكثر إقامتها عند ولدها حردوب ملك الروم لأجل الجواري
الأبكار لأنها كانت تحب السحاق وإن تأخر عنها تكون في انمحاق وكل جارية أعجبتها
تعلمها الحكمة وتسحق عليها الزعفران فيغشى عليها من فرط اللذة مدة من الزمان فمن
طاوعتها أحسنت إليها ورعيت ولدها فيها ومن لا تطاوعها تتحايل على هلاكها وبسبب ذلك
علمت مرجانة وريحانة وأترجة جواري إبريزة ، وكانت الملكة إبريزة تكره العجوز وتكره
أن ترقد معها لأن صنانها يخرج من تحت إبطيها ورائحة فسائها أنتن من الجيفة وجسدها
أخشن من الليفة وكانت ترغب من يساحقها بالجواهر والتعليم وكانت إبريزة تبرأ منها
إلى الحكيم العليم ، ولله در القائل :
يا من تسفل للغـنـي مـذلة ........ وعلى الفقير لقد علا تياهـا
ويزين شنعته بجمع دراهـم ........ عطر القبيحة لا يبقى بفساها
ولنرجع إلى حديث مكرها ودواهي أمرها ، ثم إنها سارت وسار معها
عظماء النصارى وعساكرهم وتوجهوا إلى عسكر الإسلام وبعدها دخل الملك أفريدون على
ملك الروم فقال له ملك الروم : أيها الملك ليس لنا حاجة بأمر البطريق الكبير
ولا بدعائه بل نعمل برأي أمي ذات الدواهي وتنظر ما تعمل بخداعها غير المتناهي مع
عسكر المسلمين فإنهم بقوتهم واصلون إلينا وعن قريب يكونون لدينا ويحيطون بنا .
فلما سمع الملك أفريدون ذلك الكلام عظم في قلبه فكتب من وقته وساعته إلى سائر
أقاليم النصارى يقول لهم : ينبغي أن لا يتخلف أحد من أهل الملة النصرانية
والعصبة الصليبية خصوصاً أهل الحصون والقلاع بل يأتون إلينا جميعاً رجالاً ونساء
وصبياناً ، فإن عسكر المسلمين قد وطئوا أرضنا فالعجل العجل قبل حلول الوجل . هذا
ما كان من أمر هؤلاء . وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها طلعت خارج
البلد مع أصحابها وألبستهم زي تجار المسلمين وكانت قد أخذت معها مائة بغل محملة من
القماش الأنطاكي ما بين أطلس معدني وديباج ملكي وغير ذلك وأخذت من الملك أفريدون
كتاباً مضمونه : أن أهل هؤلاء التجار من أرض الشام وكانوا في ديارنا فلا
ينبغي أن يتعرض لهم أحد بسوء عشراً أو غيره حتى يصلوا إلى بلادهم ومحل أمنهم لأن
التجار بهم عمار البلاد وليسوا من أهل الحرب والفساد . ثم إن الملعونة ذات الدواهي
قالت لمن معها : إني أريد أن أدبر حيلة على هلاك المسلمين . فقالوا
لها : أيتها الملكة أؤمرينا بما شئت فنحن تحت طاعتك فلا أحبط المسيح عملك .
فلبست ثياباً من الصوف الأبيض الناعم وحكت جبينها حتى صار له وسم ودهنته بدهان
دبرته حتى صار له ضوء عظيم ، وكانت الملعونة نحيلة الجسم غائرة العينين فقيدت
رجليها من فوق قدميها وسارت حتى وصلت إلى عسكر المسلمين ثم حلت القيد من رجليها
وقد أثر القيد في ساقها ثم دهنتهما بدم الأخوين وأمرت من معها أن يضربوها ضرباً
عنيفاً وأن يضعوها في صندوق فقالوا لها : كيف نضربك وأنت سيدتنا ذات الدواهي
أم الملك الباهي ? فقالت : لا لوم ولا تعنيف على من يأتي الكنيف ولأجل
الضرورات تباح المحظورات ، وبعد أن تضعوني في الصندوق خذوه في جملة الأموال
واحملوه على البغال ومروا بذلك فوق عسكر الإسلام ولا تخشوا شيئاً من الملام وإن
تعرض لكم أحد من المسلمين فسلموا له البغال وما عليها من الأموال وانصرفوا إلى
ملكهم ضوء المكان واستغيثوا به وقولوا له نحن كنا في بلاد الكفر ولم يأخذوا منا
شيئاً بل كتبوا لنا توقيعاً أنه لا يتعرض لنا أحد فكيف تأخذون أنتم أموالنا وهذا
كتاب ملك الروم الذي مضمونه أن لا يتعرض لنا أحد بمكروه . فإذا قال : وما
الذي ربحتموه من بلاد الروم في تجارتكم ? فقولوا له : ربحنا خلاص رجل
زاهد وقد كان في سرداب تحت الأرض له فيه خمسة عشر عاماً وهو يستغيث فلا يغاث بل
يعذبه الكفار ليلاً ونهاراً ولم يكن عندنا علم بذلك مع أننا أقمنا في القسطنطينية
مدة من الزمان وبعنا بضائعنا واشترينا خلافها وجهزنا حالنا وعزمنا على الرحيل إلى
بلادنا وبتنا تلك الليلة نتحدث في أمر السفر . فلما أصبحنا رأينا صورة مصورة في الحائط فلما قربنا منها تأملناها فإذا هي تحركت
وقالت : يا مسلمين هل فيكم من يعامل رب العالمين ? فقلنا : وكيف
ذلك ؟ فقالت تلك الصورة : إن الله أنطقني لكم ليقوي يقينكم ويلهمكم دينكم
وتخرجوا من بلاد الكافرين وتقصدوا عسكر المسلمين فإن فيهم سيف الرحمن وبطل الزمان
الملك شركان وهو الذي يفتح القسطيطينية ويهلك أهل الملة النصرانية فإذا قطعتم سفر
ثلاثة أيام تجدوا ديراً يعرف بدير مطروحنا وفيه صومعة فاقصدوا بصدق نيتكم وتحيلوا
على الوصول إليها بقوة عزيمتكم لأن فيها رجلاً عابداً من بيت المقدس اسمه عبد الله
وهو من أدين الناس وله كرامات تزيح الشك والإلباس قد خدعه بعض الرهبان وسجنه في
سرداب له فيه مدة مديدة من الزمان وفي إنقاذه وضارب العباد لأن فكاكه من أفضل
الجهاد . ثم إن العجوز لما اتفقت مع من معها على هذا الكلام وقالت لهم : فإذا
ألقى إليكم الملك شركان سمعه فقولوا له . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام
المباح .
الليلة الرابعة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز لما
اتفقت مع من معها على الكلام قالت : فإذا ألقى إليكم الملك شركان سمعه فقولوا
له : فلما سمعنا هذا الكلام من تلك الصورة علمنا أن ذلك العابد من أكابر
الصالحين وعباد الله المخلصين فسافرنا مدة ثلاثة أيام ثم رأينا ذلك الدير فعرجنا
عليه وملنا إليه وأقمنا هناك يوماً في البيع والشراء على عادة التجار ، فلما ولى
النهار وأقبل الليل بالاعتكار قصدنا تلك الصومعة التي فيها السرداب فسمعناه بعد
تلاوة الآيات ينشد هذه الأبيات :
كيداً أكـايده وصـدري ضـيق ........ وجرى بقلبي بحرهم مغـرق
إن لم يكن فرج فموت عاجـل ........ إن الحمام من الرزايا أرفـق
يا برق إن جئت الديار وأهلهـا ........ وعلا عليك من البشائر
رونق
كيف السبيل إلى اللقاء
وبينـنـا ........ تلك الحروب وباب رهن مغلق
بلغ أحبتنا السلام وقـل لـهـم ........ إني بدير الروم قاص
موثـق
ثم قالت : إذا وصلتم بي إلى عسكر المسلمين وصرت أعرف أدبر
حيلة في خديعتهم وقتلهم عن أخرهم . فلما سمع النصارى كلام العجوز قبلوا يديها
ووضعوها في الصندوق بعد أن ضربوها أشد الضربات الموجعات تعظيماً لها لأنهم يرون
طاعتها من الواجب ثم قصدوا بها عسكر المسلمين كما ذكرنا . هذا ما كان من أمر
اللعينة ذات الدواهي ومن معها . وأما ما كان من أمر عسكر المسلمين فإنهم لما نصرهم
الله على أعدائهم وغنموا ما كان في المراكب من الأموال والذخائر قعدوا يتحدثون مع
بعضهم فقال ضوء المكان لأخيه : إن الله عز وجل قد نصرنا بسبب عذلنا وانقيادنا
لبعضنا فكن يا شركان ممتثلاً لأمري في طاعة الله . فقال شركان : حباً وكرامة
. ومد يده إلى أخيه وقال : إن جاءك ولد أعطيته ابنتي قضى فكان . ففرح بذلك
وصار يهنئ بعضهم بعضاً بالنصر على الأعداء وهنا الوزير دندان شركان وقال
لهما : اعلما أيها الملكان أن الله عز وجل نصرنا حيث وهبنا أنفسنا وهجرنا
الأهل والأوطان ، والرأي عندي أن نرحل وراءهم ونحاصرهم ونقاتلهم لعل الله أن
يبلغنا مرادنا ونستأصل أعداءنا وإن شئتم فانزلوا في هذه المراكب وسيروا في البحر
ونحن نسير في البر ونصبر على القتال والطعن والنزال . ثم أن الوزير دندان ما زال
يحرضهم على القتال وأنشد قول من قال :
أطيب الطيبات قتل الأعادي ........ واحتمال على ظهور الجياد
ورسول يأتي بوعد حبـيب ........ وحبيب يأتي بلا مـيعـاد
وقال آخر : وإن عمرت جعلت الحرب والدة ........ والمشرفي
أخا والسمهري أبـا بكل أشعث يلقي الموت مبتسماً ........ حتى كان له في قتـلـه
إربـا فلما فرغ الوزير دندان من شعره قال : سبحان من أيدنا بنصره العزيز
وأظفرنا بغنيمة الفضة والإبريز . ثم أمر ضوء المكان العسكر بالرحيل فسافروا طالبين
القسطنطينية وجدوا في سيرهم حتى أشرفوا على مرج فسيح وفيه كل شيء مليح ما بين وحوش
تمرح وغزلان تسنح وكانوا قد قطعوا مغاور كثيرة وانقطع عنهم الماء ستة أيام ، فلما
أشرفوا على ذلك المرج نظروا تلك العيون النابعة والأثمار اليانعة وتلك الأرض كأنها
جنة أخذت زخرفها وازّينت وسكرت أغصانها من رحيق الظل فتمايلت وجمعت بين عذوبة
التنسيم فتدهش العقل والناظر كما قال الشاعر :
انظر إلى الروض النضـير كأنـما
........ نشرت عليه ملاءة خـضـراء
إن ما سنحت بلحظ عينك
لا تـرى ........ إلا غديراً جـال فـيه الـمـاء
وترى بنفسك عـزة فـي دوحـة ........ إذ فوق رأسك حيث سرت لواء
وما أحسن قول الآخر : النهر خد بـالـشـعـاع مـورد
........ قد دب فيه عذار ظـل الـبـان
والماء في سوق الغصون خلاخل ........ من فضة والزهر كالتـيجـان
فلما نظر ضوء المكان إلى ذلك المرج الذي التفت أشجاره وزهت
أزهاره وترنمت أطياره نادى أخاه شركان وقال له : إن دمشق ما فيها مثل هذا
المكان فلا نرحل منه إلا بعد ثلاثة أيام نأخذ راحة لأجل أن تنشط عساكر الإسلام
وتقوي نفوسهم على لقاء الكفرة اللئام . فأقاموا فيه . فبينما هم كذلك إذ سمعوا
أصواتاً من بعيد فسأل عنهم ضوء المكان فقيل أنها قافلة تجار من بلاد الشام كانوا
نازلين في هذا المكان للراحة ولعل العساكر صادفوهم وربما أخذوا شيئاً من بضائعهم
التي معهم حيث كانوا في بلاد الكفار وبعد ساعة جاء التجار وهم صارخون يستغيثون
بالملك ، فلما رأى ضوء المكان ذلك أمر بإحضارهم فحضروا بين يديه وقالوا :
أيها الملك إنا كنا في بلاد الكفار ولم ينهبوا منا شيئاً فكيف تنهب أموالنا
أخواننا المسلمون ونحن أخبرناك بما حصل لنا ? ثم أخرجوا له كتاب ملك
القسطنطينية فأخذه شركان وقرأه ثم قال لهم : سوف نرد عليكم ما أخذ منكم ولكن
كان من الواجب أن لا تحملوا تجارة إلى بلاد الكفار . فقالوا : يا مولانا إن
الله سيرنا إلى بلادهم لنظفر بما لم يظفر به أحد من الغزاة ولا أنتم في غزوتكم .
فقال له شركان : وما الذي ظفرتم به ? فقالوا : ما نذكر لك ذلك إلا
في خلوة لأن هذا الأمر إذا شاع بين الناس ربما اطلع عليه أحد فيكون ذلك سبباً
لهلاكنا وهلاك كل من توجه إلى بلاد الروم من المسلمين . وكانوا قد خبئوا الصندوق
الذي فيه اللعينة ذات الداوهي ، فأخذهم ضوء المكان وأخوه واختليا بهم فشرحوا لهما
حديث الزاهد وصاروا يبكون حتى أبكوهما . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام
المباح .
الليلة الخامسة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن النصارى الذين
في هيئة التجار لما اختلى بهم ضوء المكان وأخوه شركان شرحوا لهما حديث الزاهد
وبكوا حتى أبكوهما وأخبروهما كما أعلمتهم الكاهنة ذات الدواهي فرق قلب شركان
للزاهد وأخذته الرأفة عليه وقامت به الحمية لله تعالى وقال لهم : هل خلصتم
هذا الزاهد أم هو في الدير إلى الآن ? فقالوا : بل خلصناه وقتلنا صاحب
الدير من خوفنا على أنفسنا ثم أسرعنا في الهرب خوفاً من العطب ، وقد أخبرنا بعض
الثقات أن في هذا الدير قناطير من الذهب والفضة والجواهر . وبعد ذلك أتوا بالصندوق
وأخرجوا منه تلك الملعونة كأنها قرن خيار شنبر من شدة السواد والنحول وهي مكبلة
بتلك السلاسل والقيود ، فلما نظرها ضوء المكان هو والحاضرون ظنوا أنها رجل من خيار
العباد ومن أفضل الزهاد خصوصاً وجبينها يضيء من الدهان الذي دهنت به وجهها ، فبكى
ضوء المكان وأخوه شركان بكاء شديداً ثم قاموا إليها وقبلا يديها ورجليها وصارا
ينتحبان ، فأشارت إليهما وقالت : اعلما أني قد رضيت بما صنعه بي مولاي لأني أرى
أن البلاء الذي حل بي لأجل أن أموت تحت حوافر خيل المجاهدين الذين هم بعد القتل
أحياء غير أموات . ثم أنشدت هذه الأبيات :
الحصن طور ونار الحرب موقـدة ........ وأنت موسى وهذا الوقت
ميقـات
ألق العصا تتلقف كل ما صنـعـوا ........ ولا تخف ما حبال
القـوم حـيات
فاقرأ سطور العدا يوم
الوغى سورا ........ فإن سيفك فـي الأعـنـاق آيات
فلما فرغت العجوز من
شعرها تناثرت من عينيها المدامع وجبينها بالدهان كالضوء اللامع فقام إليها شركان
وقبل يدها وأحضر لها الطعام فامتنعت وقالت : إني لم أفطر من مدة خمسة عشر
عاماً فكيف أفطر في هذه الساعة وقد جاد على المولى بالخلاص من أسر الكفار ودفع عني
ما هو أشق من عذاب النار فأنا أصبر إلى الغروب . فلما جاء وقت العشاء أقبل شركان
هو وضوء المكان وقدما إليها الأكل وقالا لها : كل أيها الزاهد . فقالت :
ما هذا وقت الأكل وإنما هذا وقت عبادة الملك الديان . ثم انتصبت في المحراب تصلي
إلى أن ذهب الليل ولم تزل على هذه الحالة ثلاثة أيام بلياليها هي لا تقعد إلا وقت
التحية ، فلما رآها ضوء المكان على تلك الحالة ملك قلبه حسن الاعتقاد فيها وقال
لشركان : اضرب خيمة من الأديم لذلك العابد ووكل فراشاً بخدمته . وفي اليوم
الرابع دعت بالطعام فقدموا لها من الألوان ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فلم تأكل
من ذلك كله إلا رغيفاً واحداً ثم نوت الصوم ولما جاء الليل قامت إلى الصلاة فقال شركان لضوء
المكان : أما هذا الرجل فقد زهد الدنيا غاية الزهد ولولا هذا الجهاد لكنت
لازمته وأعبد الله بخدمته حتى ألقاه ، وقد اشتهيت أن أدخل معه الخيمة وأتحدث معه
ساعة . فقال له ضوء المكان : وأنا كذلك ولكن نحن في غد ذاهبون إلى غزو
القسطنطينية ولم نجد لنا مثل هذه الساعة . فقال الوزير دندان : وأنا الآخر
اشتهي أن أرى ذلك الزاهد لعله يدعو لي بقضاء نحبي في الجهاد ولقاء ربي ، فإني زهدت
الدنيا . فلما جن الليل دخلوا على تلك الكاهنة ذات الدواهي في خيمتها فرأوها قائمة
تصلي فدنوا منها وصاروا يبكون رحمة لها وهي لا تلتفت إليهم إلى أن انتصف الليل
فسلمت من
الليلة السادسة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز ذات
الدواهي قالت : إن البطريق دخل علي ومعه عشرة من الغلمان ومعه ابنة غاية في
الجمال ليس لها مثيل ، فلما دخلوا الدير أخبرهم الراهب مطروحنا بخبري فقال
البطريق : أخرجوه لأنه لم يبق من لحمه ما يأكله الطير . ففتحوا باب ذلك البيت
المظلم فوجدوني منتصباً في المحراب أصلي وأقرأ وأسبح وأتضرع إلى الله تعالى فلما
سمعوا كلامه قاموا جميعاً ودخلوا علي ، وأقبل علي دقيانوس هو وجماعته وضربوني
ضرباً عنيفاً فعند ذلك تمنيت الموت ولمت نفسي وقلت : هذا جزاء من يتكبر ويعجب
بما أنعم عليه ربه مما ليس في طاقته ، وأنت يا نفسي قد داخلك العجب والكبر أما
علمت أن الكبر يغضب الرب ويقسي القلب ويدخل الإنسان في النار . ثم بعد ذلك قيدوني
وردوني إلى مكاني وكان سرداباً في ذلك البيت تحت الأرض وكل ثلاثة أيام يرمون إلي
قرص من الشعير وشربة ماء وكل شهر أو شهرين يأتي البطريق ويدخل ذلك الدير وقد كبرت
ابنته تماثيل لأنها كانت بنت تسع سنين حين رأيتها ومضى لي في الأسر خمس عشرة سنة
فجملة عمرها أربعة وعشرون عاماً ، وليس في بلادنا ولا في بلاد الروم أحسن منها
وكان أبوها يخاف عليها من الملك أن يأخذها منه لأنها وهبت نفسها للمسيح غير أنها
تركب مع أبيها في زي الرجال الفرسان وليس لها مثيل في الحسن ولم يعلم من رآها أنها
جارية وقد خزن أبوها أمواله في هذا الدير لأن كل ما كان عنده شيء من نفائس الذخائر
يضعه في ذلك الدير ، وقد رأيت فيه من أنواع الذهب والفضة والجواهر وسائر الألوان
والتحف ما لا يحصي عدده إلا الله . فأنتم أولى به من هؤلاء الكفرة ، فخذوا ما في
هذا الدير وأنفقوه على المسلمين وخصوصاً المجاهدين . ولما وصل هؤلاء التجار إلى
القسطنطينية وباعوا بضاعتهم كلمتهم تلك الصورة التي في الحائط كرامة أكرمني الله
بها فجاؤوا إلى ذلك الدير وقتلوا البطريق مطروحنا بعد أن عاقبوه أشد العقاب وشدوه
من لحيته فدلهم على موضعي فأخذوني ولم يكن لهم سبيل إلا الهرب خوفاً من العطب .
وفي ليلة غد تأتي تماثيل إلى ذلك الدير على عادتها ويلحقها أبوها مع غلمانه لأنه
يخاف عليها ، فإن شئتم أن تشاهدوا هذا الأمر فخذوني بين أيديكم وأنا أسلم لكم
الأموال وخزانة البطريق دقيانوس التي في ذلك الجبل وقد رأيتهم يخرجون أواني الذهب
والفضة يتسربون فيها ورأيت عندهم جارية تغني لهم بالعربي ، فواحسرتاه لو كان الصوت
الحسن في قراءة القرآن ، وإن شئتم فادخلوا هذا الدير واكمنوا فيه إلى أن يصل
دقيانوس وتماثيل معه ، فخذوها فإنها لا تصلح إلا لملك الزمان شركان وللملك ضوء
المكان . ففرحوا بذلك حين سمعوا كلامها إلا الوزير دندان فإنه ما دخل كلامها في
عقله وإنما كان يتحدث معها لأجل خاطر الملك وصار باهتاً في كلامها ويلوح على وجهه
علامة الإنكار عليها . فقالت ذات الدواهي : إني أخاف أن يقبل البطريق وينظر
هذه العساكر في المرج فما يجسر أن يدخل الدير . فأمر السلطان العسكر أن يرحلوا صوب
القسطنطينية ، وقال ضوء المكان : إن قصدي أن نأخذ معنا مائة فارس وبغالاً
كثيرة ونتوجه إلى ذلك الجبل ونحملهم المال الذي في الدير . ثم أرسل من وقته وساعته
إلى الحاجب الكبير فأحضره بين يديه وأحضر المقدمين والأتراك والديلم وقال :إذا كان وقت الصباح فارحلوا إلى القسطنطينية أنت أيها الحاجب تكون عوضاً عني في
الرأي والتدبير ، وأنت يا رستم تكون نائباً عن أخي في القتال ولا تعلموا أحد أننا
لسنا معكم وبعد ثلاثة أيام نلحقكم . ثم انتخب مائة فارس من الأبطال وانحاز هو
وأخوه الوزير دندان والمائة فارس وأخذوا معهم البغال والصناديق لأجل حمل المال . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة السابعة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه لما أصبح
الصباح نادى الحاجب بين العسكر بالرحيل فرحلوا وهم يظنون أن شركان وضوء المكان
والوزير دندان معهم ولم يعلموا أنهم ذهبوا إلى الدير . هذا ما كان من أمرهم . وأما
ما كان من أمر شركان وأخيه ضوء المكان والوزير دندان فإنهم أقاموا إلى آخر النهار
، وكان الكفار أصحاب ذات الدواهي رحلوا خفية بعد أن دخلوا عليها وقبلوا الأرض بين
يديها ورجليها واستأذنوها في الرحيل فأذنت لهم وأمرتهم بما شاءت من المكر . فلما
جن الظلام قالت العجوز لضوء المكان هو وأصحابه : قوموا معي إلى الجبل وخذوا
معكم قليلاً من العسكر . فأطاعوها وتركوها في سفح الجبل مع خمسة فوارس بين
يدي ذات الدواهي وصار عندها قوة من شدة فرحها ، وصار ضوء المكان يقول : سبحان
من قوى هذا الزاهد الذي ما رأينا مثله . وكانت الكاهنة قد أرسلت كتاباً على أجنحة
الطير إلى ملك القسطيطينية تخبره بما جرى ، وقالت في آخر الكتاب : أريد أن
تنفذ لي عشرة آلاف فارس من شجعان الروم يكون سيرهم في سفح الجبل خفية لأجل أن لا
يراهم عسكر الإسلام ويأتون إلى الدير ويكمنون فيه حتى أحضر إليهم ومعي ملك
المسلمين وأخوه فإني خدعتهما وجئت بهما ومعهما الوزير ومائة فارس لا غير وسوف أسلم
إليهم الصلبان التي في الدير وقد عزمت على قتل الراهب مطروحنا لأن الحيلة لا تتم
إلا بقتله فإن تمت الحيلة فلا يصل من المسلمين إلى بلادهم لا ديار ولا من ينفخ
النار ويكون مطروحنا فداء لأهل الملة النصرانية والعصبة الصليبية والشكر للمسيح
أولاً وآخراً . فلما وصل الكتاب إلى القسطنطينية جاء براج الحمام إلى الملك
أفريدون بالورقة فلما قرأها أنفذ من الجيش وقته وجهز كل واحد بفرس وهجين وبغل
وأمرهم أن يصلوا إلى ذلك الدير . هذا ما كان من أمر هؤلاء . وأما ما كان من أمر
ضوء المكان وأخيه شركان والوزير دندان والعسكر ، فإنهم لما وصلوا إلى الدير دخلوه
فرأوا الراهب مطروحنا قد أقبل لينظر حالهم فقال الزاهد : اقتلوا هذا اللعين .
فضربوه بالسيوف وأسقوه كأس الحتوف ، ثم مضت بهم الملعونة إلى موضع النذور فأخرجوا
منه التحف والذخائر أكثر مما وصفته لهم ، وبعد أن جمعوا ذلك وضعوه في الصناديق
وحملوه على البغال وأما تماثيل فإنها لم تحضر هي ولا أبوها خوفاً من المسلمين
فأقام ضوء المكان في انتظارها ذلك النهار وثاني يوم وثالث يوم ، فقال شركان والله إن قلبي مشغول بعسكر الإسلام ولا أدري ما حالهم . فقال أخوه : إنا قد
أخذنا هذا المال وما أظن أن تماثيل ولا غيرها يأتي إلى هذا الدير بعد أن جرى لعسكر
الروم ما جرى فينبغي أننا نقنع بما يسره الله لنا ونتوجه لعل الله يعيننا على فتح
القسطنطينية . ثم نزلوا من الجبل فما أمكن ذات الدواهي أن تتعرض لهم خوفاً من
التفطن لخداعها ، ثم أنهم ساروا إلى باب الشعب وإذا بالعجوز قد أكمنت لهم عشرة
آلاف فارس فلما رأوهم احتاطوا بهم من كل جانب وأسرعوا نحو الرماح وجردوا عليهم بيض
السفاح ونادى الكفار بكلمة كفرهم وفرقعوا سهام شرهم . فنظر ضوء المكان وأخوه شركان
والوزير دندان إلى هذا الجيش فرأوه جيشاً عظيماً وقالوا : من أعلم هذه
العساكر بنا ? فقال شركان : يا أخي ما هذا وقت كلام بل هذا وقت الضرب
بالسيف والرمي بالسهام . فشدوا عزمكم وقووا نفوسكم فإن هذا الشعب مثل الدرب له
بابان ، وحق سيد العرب والعجم لولا أن هذا المكان ضيق لكنت أفنيتهم ولو كانوا مائة
ألف فارس . فقال ضوء المكان : لو علمنا لأخذنا معنا خمسة آلاف فارس فقال الوزير دندان : لو كان معنا عشرة آلاف
فارس في هذا المكان لا تفيدنا شيئاً ولكن الله يعيننا عليهم وأنا أعرف هذا الشعب
وضيقه وأعرف أن فيها مفاوز كثيرة لأني قد غزوت فيه مع الملك عمر النعمان حين
حاصرنا القسطنطينية وكنا نقيم فيه وفيه ماء أبرد من الثلج فانهضوا بنا لنخرج من
هذا الشعب قبل أن يكثر عليها عساكر الكفار ويسبقونا إلى رأس الجبل فيرموا علينا
الحجارة ولا نملك فيهم إرباً . فأخذوا في الإسراع من ذلك الشعب فنظر إليهم الزاهد
وقال لهم : ما هذا الخوف وأنتم قد بعتم أنفسكم لله تعالى في سبيله ، والله
إني مكثت مسجوناً تحت الأرض خمسة عشر عاماً ولم أعترض على الله فيما فعل بي ،
فقاتلوا في سبيل الله فمن قتل منكم فالجنة مأواه ومن قتل فإلى الشرف مسعاه . فلما
سمعوا من الزاهد هذا الكلام زال عنهم الهم والغم وثبتوا حتى هجم عليهم الكفار من كل
مكان ولعبت في أعناقهم السيوف ودارت بينهم كأس الحتوف وقاتل المسلمون في طاعة الله
أشد قتال وأعملوا في أعدائهم الأسنة والنصال وصار ضوء المكان يضرب الرجال ويجندل
الأبطال ويرمي رؤوسهم خمسة خمسة وعشرة عشرة حتى أفنى منهم عدداً لا يحصى ورجالاً
يستقصى فبينما هو كذلك إذ نظر الملعونة وهي تشير بالسيف إليهم وتقويهم جانب وكل ما
خاف يهرب إليها وصارت تومئ إليهم بقتل شركان فيميلون إلى قتله فرقة بعد فرقة وكل
فرقة حملت عليه يحمل عليها ويهزمها وتأتي بعدها فرقة أخرى حاملة عليها فيردها
بالسيف على أعقابها ، فظن أن نصره عليهم ببركة العابد وقال في نفسه : إن هذا
العابد قد نظر إلي بعين عنايته وقوى عزمي على الكفار بخالص نيته فأراهم يخافونني
ولا يستطيعون الإقدام علي بل كلما حملوا علي يولون الأدبار ويركنون إلى الفرار .
ثم قاتلوا بقية يومهم إلى آخر النهار ولما أقبل الليل نزلوا في مغارة من ذلك الشعب
من كثرة ما حصل لهم من الوبال ورمي الحجارة وقتل منهم في ذلك اليوم خمسة وأربعون
رجلاً ولما اجتمعوا مع بعضهم فتشوا على ذلك الزاهد فلم يروا له أثر فعظم عليهم ذلك
وقالوا : لعله استشهد . فقال شركان : أنا رأيته يقوي الفرسان بالإشارة
الربانية ويعيدهم بالآيات الرحمانية . فبينما هم في الكلام وإذا بالملعونة ذات
الدواهي قد أقبلت وفي يدها رأس البطريق الكبير الرئيس على العشرين ألفاً وكان
جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً وقد قتله رجل من الأتراك بسهم فعجل الله بروحه إلى
النار فلما رأى الكفار ما فعل ذلك المسلم بصاحبهم مالوا بكليتهم عليه وأوصلوا
الأذية إليه وقطعوه بالسيوف فعجل الله به إلى الجنة . ثم إن الملعونة قطعت رأس ذلك
البطريق وأتت به وألقته بين يدي شركان والملك ضوء المكان والوزير دندان ، فلما
رآها شركان وثب قائماً على قدميه وقال : الحمد لله على رؤيتك أيها العابد
المجاهد الزاهد . فقالت : ولدي إني قد طلبت الشهادة في هذا اليوم فصرت أرمي
روحي بين عسكر الكفار يهابونني فلما انفصلتم أخذتني الغيرة عليكم وهجمت على
البطريق الكبير رئيسهم وكان يعد بألف فارس فضربته حتى أطحت رأسه عن بدنه ولم يقدر
أحد من الكفار أن يدنو مني وأتيت برأسه إليكم . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن
الكلام المباح .
الليلة الثامنة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن اللعينة ذات
الدوهي قالت : أتيت برأسه إليكم لتقوى نفوسكم على الجهاد وترضوا بسيوفكم رب
العباد وأريد أن أشغلكم في الجهاد وأذهب إلى عسكركم ولو كانوا على باب القسطنطينية
وآتيكم من عندهم بعشرين ألف فارس يهلكون هؤلاء الكفرة . فقال شركان : وكيف
تمضي إليهم أيها الزاهد والوادي مسدود بالكفار من كل جانب ? فقالت الملعونة : الله يسترني
عن أعينهم فلا يروني ومن رآني لا يجسر أن يقبل علي فإني في ذلك الوقت أكون فانياً
في الله وهو يقاتل عني أعداءه . فقال شركان : صدقت أيها الزاهد لأني شاهدت
ذلك وإذا كنت تقدر أن تمضي أول الليل يكون أجود لنا . فقالت الملعونة : أنا
أمضي في هذه الساعة وإن كنت تريد أن تجيء معي ولا يراك أحد فقم وإن كان أخوك يذهب
معنا أخذناه دون غيره فإن ظل الولي لا يستر غير اثنين . فقال شركان : أما أنا
فلا أترك أصحابي ولكن إذا كان أخي يرضى بذلك فلا بأس حيث ذهب معك وخلص من هذا
الضيق فإنه هو حصن المسلمين وسيف رب العالمين وإن شاء فليأخذ معه الوزير دندان أو
من يختار ، ثم يرسل إلينا عشرة آلاف فارس إعانة على هؤلاء اللئام . واتفقوا على
هذا الحال ثم أن العجوز قالت : أمهلوني حتى أذهب قبلكم وأنظر حال الكفرة هل
هم نيام أو يقظون . فقالوا : ما نخرج إلا معك ونسلم أمرنا لله . فقالت :
إذا طاوعتكم لا تلوموني ولوموا أنفسكم فالرأي عندي أن تمهلوني حتى أكتشف خبرهم .
فقام شركان وحدث أخاه بعد خروجهما وقال : إن هذا الزاهد صاحب كرامات ما قتل
هذا البطريق الجبار وفي هذا القدر كفاية في كرامة هذا الزاهد وقد انكسرت شوكة
الكفار بقتل هذا البطريق لأنه كان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً . فبينما هم
يتحدثون في كرامات الزاهد ، وإذا باللعينة ذات الدواهي قد دخلت عليهم ووعدتهم
بالنصر على الكفرة فشكروا الزاهد على ذلك ولم يعلموا أن هذا حيلة وخداع ، ثم قالت
اللعينة : أين ملك الزمان ضوء المكان ? فأجابها بالتلبية فقالت
له : خذ معك وزيرك وسر خلفي حتى نذهب إلى القسطنطينية . وكانت ذات الدواهي قد
أعلمت الكفار بالحيلة التي عملتها ففرحوا بذلك غاية الفرح وقالوا : ما يجبر
خاطرنا إلا قتل ملكهم في نظير قتل البطريق لأنه لم يكن عندنا أفرس منه . وقالوا
لعجوز النحس ذات الدواهي حين أخبرتهم بأنها تذهب إليهم بملك المسلمين إذا أتيت به
نأخذه إلى الملك أفريدون . ثم إن العجوز ذات الدواهي توجهت وتوجه معها ضوء المكان
والوزير دندان وهي سابقة عليهما وتقول لهما : سيروا على بركة الله تعالى .
فأجاباها إلى قولها ونفذ فيهما سهم القضاء والقدر ولم تزل سائرة بهما حتى توسطت
بهما بين عسكر الروم وصلوا إلى الشعب المذكورة الضيق وعساكر الكفار ينظرون إليهم
ولا يتعرضون لهم بسوء لأن الملعونة أوصتهم بذلك فلما نظر ضوء المكان والوزير دندان
إلى عساكر الكفار وعرفوا أن الكفار عاينوهم ولم يتعرضوا لهم قال الوزير دندان إلى
ضوء المكان : والله إن هذه كرامة من الزاهد ولا شك أنه من الخواص فقال ضوء المكان : والله ما أظن الكفار إلا
عمياناً لأننا نراهم وهم لا يروننا . فبينما هم في الثناء على الزاهد وتعداد
كراماته وزهده وعبادته وإذا بالكفار قد هجموا عليهما واحتاطوا بهما وقبضوا عليهما
وقالوا : هل معكما أحد غيركما فنقبض عليه ? فقال الوزير دندان :
أما ترون هذا الرجل الآخر الذي بين أيدينا ? فقال لهم الكفار : وحق
المسيح والرهبان والجاثليق والمطران إننا لم نر أحداً غيركما . فقال ضوء
المكان : والله إن الذي حل بنا عقوبة لنا من الله تعالى . وهنا أدرك شهرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة التاسعة عشرة بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الكفار وضعوا
القيود في أرجلهما ووكلوا بهما من يحرسهما في المبيت ، فصارا يتأسفان ويقولان
لبعضهما : إن الاعتراض على الصالحين يؤدي إلى أكثر من ذلك وجزاؤنا ما حل بنا
من الضيق الذي نحن فيه . هذا ما كان من أمر ضوء المكان والوزير دندان . وأما ما
كان من أمر الملك شركان فإنه بات تلك الليلة فلما أصبح الصباح قام وصلى صلاة الصبح
ثم نهض هو ومن معه من العساكر وتأهبوا إلى قتال الكفار وقوى قلوبهم شركان ووعدهم
بكل خير ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى الكفار فلما رآهم الكفار من بعيد قالوا
لهم : يا مسلمين إنا أسرنا سلطانكم ووزيره الذي به انتظام أمركم وإن لم
ترجعوا عن قتالنا قتلناكم عن آخركم وإذا سلمتم لنا أنفسكم فإننا نروح بكم إلى
ملكنا فيصالحكم على أن تخرجوا من بلادنا وتذهبوا إلى بلادكم ولا تضرونا بشيء ولا
نضركم بشيء فإن طاب خاطركم كان الحظ لكم وإن أبيتم فما يكون إلا قتلكم وقد عرفناكم
وهذا آخر كلامنا . فلما سمع شركان كلامهم وتحقق أسر أخيه والوزير دندان عظم عليه
وبكى وضعفت قوته وأيقن بالهلاك وقال في نفسه : يا ترى ما سبب أسرهما ?
هل حصل منهما إساءة أدب في حق الزاهد واعتراض عليه ? وما شأنهما ? ثم
نهضوا إلى قتال الكفار فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وتبين في ذلك اليوم الشجاع من
الجبان واختضب السيف والسنان وتهافتت عليهم الكفار تهافت الذباب على الشراب من كل
مكان وما زال شركان ومن معه يقاتلون قتال من لا يخاف الموت ولا يعتريه في طلب الفرصة
قوت حتى سال الوادي بالدماء وامتلأت الأرض بالقتلى . فلما أقبل الليل تفرقت الجيوش
وكل من الفريقين ذهب إلى مكانه وعاد المسلمون إلى تلك المغارة ولم يبق منهم إلا
القليل ولم يكن منهم إلا على الله والله عليه كل تعويل وقد قتل منهم في هذا النهار
خمسة وثلاثون فارساً من الأمراء والأعيان وإن من قتل بسيفهم من الكفار آلاف من
الرجال والركبان فلما عاين شركان ذلك ضاق عليه الأمر وقال لأصحابه : كيف
العمل ? فقال له أصحابه : لا يكون إلا ما يريده الله تعالى . فلما كان
ثاني يوم قال شركان لبقية العسكر : إن خرجتم للقتال ما بقي منكم أحد لأنه لم
يبق عندنا إلا قليل من الماء والزاد والرأي الذي عندي فيه الرشاد أن تجردوا سيوفكم
وتخرجوا وتقفوا على باب تلك المغارة لأجل أن تدفعوا عن أنفسكم كل من يدخل عليكم
فلعل الزاهد أن يكون وصل إلى عسكر المسلمين ويأتينا بعشرة آلاف فارس فيعينون على قتال
الكفرة ولعل الكفار لم ينظروه هو ومن معه . فقال له أصحابه : إن هذا الرأي هو
الصواب وما في سداده ارتياب . ثم إن العسكر خرجوا وملكوا باب المغارة ووقفوا في
طرفيه وكل من أراد أن يدخل عليهم من الكفار يقتلوه وصاروا يدفعون الكفار عن الباب
وصبروا على قتال الكفار إلى أن ذهب النهار وأقبل الليل بالاعتكار . وهنا أدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة العشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه عندما أقبل
الليل لم يبق عند الملك شركان إلا خمسة وعشرون رجلاً لا غير فقال الكفار
لبعضهم : متى تنقضي هذه الأيام فإننا قد تعبنا من قتال المسلمين . فقال بعضهم
لبعض : قوموا نهجم عليهم فإنه لم يبق منهم إلا خمسة وعشرون رجلاً فإن لم نقدر
عليهم نضرم عليهم النار فإن انقادوا وسلموا أنفسهم إلينا أخذناهم أسرى وإن أبوا
تركناهم حطباً للنار حتى يصيروا عبرة لأولي الأبصار فلا رحم المسيح أباهم ولا جعل
مستقر النصارى مثواهم . ثم إنهم حطوا الحطب على باب المغارة وأضرموا فيه النار
فأيقن شركان ومن معه بالبوار فبينما هم كذلك وإذا بالبطريق الرئيس عليهم التفت إلى
المشير بقتلهم وقال له : لا يكون قتلهم إلا عند الملك أفريدون لأجل أن يشفي
غليله فينبغي أن نبقيهم عندنا أسارى وفي غد نسافر إلى القسطنطينية ونسلمهم إلى
الملك أفريدون فيفعل بهم ما يريد . فقالوا : هذا هو الرأي الصواب . ثم أمروا
بتكتيفهم وجعلوا عليهم حرساً فلما جن الظلام اشتغل الكفار باللهو والطعام ودعوا
بالشراب فشربوا حتى انقلب كل منهم على قفاه وكان شركان وضوء المكان مقيدين وكذلك
من معهم من الأبطال فعند ذلك نظر شركان إلى أخيه ، وقال له : يا أخي كيف
الخلاص ? فقال ضوء المكان : والله لا أدري وقد صرنا كالطير في الأقفاص . فاغتاظ شركان وتنهد من شدة غيظه فانقطع الكتاف فلما خلص من الوثاق قام إلى رئيس
الحراس وأخذ مفاتيح القيود من جيبه وفك ضوء المكان وفك الوزير دندان وفك بقية
العسكر ثم التفت إلى أخيه ضوء المكان والوزير دندان وقال : إني أريد أن أقتل
من الحراس ثلاثة ونأخذ ثيابهم ونلبسها نحن الثلاثة حتى نصير في زي الروم ، ونسير
بينهم حتى لا يعرفوا أحداً منا ، ثم نتوجه إلى عسكرنا . فقال ضوء المكان : إن
هذا الرأي غير صواب لأننا إذا قتلناهم نخاف أن يسمع أحد شخيرهم فتنتبه إلينا
الكفار فيقتلوننا والرأي السديد أن نسير إلى خارج الشعب . فأجابوه إلى ذلك فلما
صاروا بعيداً عن الشعب بقليل رأوا خيلاً مربوطة وأصحابها نائمون فقال شركان
لأخيه : ينبغي أن يأخذ كل واحد منا جواداً من هذه الخيول . وكانوا خمسة
وعشرين رجلاً فأخذوا خمسة وعشرين جواداً ، وقد ألقى الله النوم على الكفار لحكمة
يعلمها الله . ثم إن شركان جعل يختلس من الكفار السلاح من السيوف والرماح ، حتى
اكتفوا ثم ركبوا الخيل التي أخذوها وساروا ، وكان في ظن الكفار أنه لا يقدر أحد
على فكاك ضوء المكان وأخيه ومن معهما من العساكر وأنهم لا يقدرون على الهروب فلما
خلصوا جميعاً من الأسر وصاروا في أمن من الكفار التفت إليهم شركان وقال لهم : لا تخافوا حيث سترنا الله ولكن عندي رأي ولعله صواب . فقالوا : وما هو ?
قال : أريد أن تطلعوا فريق الجبل وتكبروا كلكم تكبيرة واحدة وتقولوا : لقد جاءتكم العساكر الإسلامية ونصيح كلنا صيحة واحدة ونقول : الله أكبر . فيفترق الجمع من ذلك ولا يجدون لهم في هذا الوقت حيلة فإنهم يسكنون ويظنون أن عسكر
المسلمين أحاطوهم من كل جانب ، واختلطوا بهم فيقعون ضرباً بالسيف في بعضهم من دهشة
السكر والنوم فنقطعهم بسيوفهم ويدور السيف فيهم إلى الصباح . فقال ضوء
المكان : إن هذا الرأي غير صواب علينا أن نسير إلى عسكرنا ولا ننطق بكلمة
لأننا إن كبرنا تنبهوا لنا ولحقونا فلم يسلم منا أحد . فقال شركان : والله لو
انتبهوا لنا ما علينا بأس وأشتهي أن توافقونني على هذا الرأي وهو لا يكون الأخير . فأجابوه إلى ذلك وطلعوا إلى فوق الجبل وصاحوا بالتكبير ، فكبرت معه الجبال
والأشجار والأحجار من خشية الله تعالى فسمع الكفار ذلك التكبير فصاح الكفار صيحة
مزعجة .
الليلة الحادية والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه عندما صاح
الكفار على بعضهم ولبسوا السلاح وقالوا : قد هجمت علينا الأعداء وحق المسيح . ثم قتلوا من بعضهم ما لا يعلم عدده إلا الله تعالى فلما كان الصباح فتشوا على
الأسارى فلم يجدوا لهم أثراً . فقال رؤساؤهم : إن الذي فعل بكم هذه الفعال هم
الأسارى الذين كانوا عندنا فدونكم والسعي خلفهم حتى تلحقوهم فتسقوهم كأس الوبال
ولا يحصل لكم خوف ولا انذهال . ثم إنهم ركبوا خيولهم وسعوا خلفهم فما كان إلا لحظة
حتى لحقوهم وأحاطوا بهم فلما رأى ضوء المكان ذلك ازداد به الفزع وقال لأخيه : إن الذي خفت من حصوله قد حصل وما بقي لنا حيلة إلا الجهاد . فلزم شركان السكوت عن
المقال ثم انحدر ضوء المكان من أعلى الجبل وكبرت معه الرجال وعولوا على الجهاد
وبيع أنفسهم في طاعة رب العباد فبينما هم كذلك وإذا باصوات يصيحون بالتهليل
والتكبير والصلاة على البشير النذير فالتفتوا إلى جهة الصوت فرأوا جيوش المسلمين
وعساكر الموحدين مقبلين ، فلما رأوهم قويت قلوبهم ، وحمل شركان على الكافرين وهلل
وكبر هو ومن معه من الموحدين فارتجت الأرض كالزلزال وتفرقت عساكر الكفار في عرض
الجبال فتبعتهم المسلمين بالضرب والطعان وأطاحوا منهم الرؤوس عن الأبدان ولم يزل
ضوء المكان هو ومن معه من المسلمين يضربون في أعناق الكافرين إلى أن ولى النهار
وأقبل الليل بالاعتكار . ثم انحاز المسلمون إلى بعضهم وباتوا مستبشرين طول ليلهم ،
فلما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح رأوا بهرام مقدم الديلم ورستم مقدم الأتراك ،
ومعهما عشرين ألف فارس مقبلين عليهم كالليوث العوابس ، فلما رأوا ضوء المكان ترجل
الفرسان وسلموا عليه وقبلوا الأرض بين يديه فقال لهم ضوء المكان : أبشروا
بنصر المسلمين وهلاك الكافرين . ثم هنوا بعضهم بالسلامة وعظيم الأجر في القيامة
وكان السبب في مجيئهم إلى هذا المكان أن الأمير بهرام والأمير رستم والحاجب الكبير
لما ساروا بجيوش المسلمين والرايات على رؤوسهم منشورة حتى وصلوا إلى القسطنطينية
رأوا الكفار قد طلعوا على الأسوار وملكوا الأبراج والقلاع واستعدوا في كل حصن مناع
حين علموا بقدوم العساكر الإسلامية والأعلام المحمدية وقد سمعوا قعقعة السلاح وضجة
الصياح ونظروا فرأوا المسلمين وسمعوا حوافر خيولهم من تحت الغبار فإذا هم كالجراد المنتشر والسحاب المنهمر وسمعوا أصوات
المسلمين بتلاوة القرآن وتسبيح الرحمن وكان السبب في أعلام الكفار بذلك ما دبرته
العجوز ذات الدواهي من زورها وعهرها وبهتانها ومكرها حتى قربت العساكر كالبحر
الزاخر من كثرة الرجال والفرسان والنساء والصبيان ، فقال أمير الترك لأمير
الديلم : يا أمير إننا بقينا على خطر منا للأعداء الذين فوق الأسوار فانظر
إلى تلك الأبراج وإلى هذا العالم الذي كالبحر العجاج المتلاطم بالأمواج إن هؤلاء
الكفار قدرنا مائة مرة ولا نأمن من جاسوس شر فيخبرهم أننا على خطر من الأعداء
الذين لا يحصى عددهم ولا ينقطع مددهم خصوصاً مع غيبة الملك ضوء المكان وأخيه
والوزير الأجل دندان فعند ذلك يطمعون فينا لغيبتهم عنا فيمحقوننا بالسيف عن آخرنا
ولا ينجو منا ناج ومن الرأي أن نأخذ عشرة آلاف فارس من المواصلة والأتراك ونذهب
بهم إلى الدير مطروحنا ومرج ملوخنا في طلب إخواننا وأصحابنا فإن أطعتموني فلا لوم
علي وإذا توجهتم ينبغي أن ترجعوا إلينا مسرعين فإن من الحزم سوء الظن . فعندما قبل
الأمير المذكور كلامه وانتخب عشرين ألف فارس وساروا يقطعون الطرقات طالبين المرج
المذكور والدير المشهور . هذا ما كان سبب مجيئهم . وأما ما كان من أمر العجوز ذات
الدواهي فإنها لما أوقعت السلطان ضوء المكان وأخاه شركان والوزير دندان في أيدي
الكفار أخذت تلك العاهرة جواداً وركبته وقالت للكفار : إني أريد أن ألحق عسكر
المسلمين وأتحيل على هلاكهم لأنهم في القسطنطينية فأعلمهم أن أصحابهم هلكوا فإذا
سمعوا ذلك مني تشتت شملهم وانصرم حبلهم وتفرق جمعهم ، ثم أدخل أنا إلى الملك
أفريدون ملك القسطنطينية وولدي الملك حردوب ملك الروم وأخبرهما بهذا الخبر فيخرجان
بعساكر إلى المسلمين ويهلكونهم ولا يتركون أحداً منهم . ثم سارت لقطع الأرض على
ذلك الجواد طول الليل فلما أصبح الصباح لاح عسكر بهرام ورستم فدخلت بعض الغابات
وأخفت جوادها هناك ، ثم خرجت وتمشت قليلاً وهي تقول في نفسها : لعل عساكر
المسلمين قد رجعوا منهزمين من حرب القسطنطينية . فلما قربت منهم نظرت إليهم وتحققت
أعلامهم فرأتها غير منكسة فعلمت أنهم أتوا غير منهزمين ولا خائفين على ملكهم
وأصحابهم . فلما عاينت ذلك أسرعت نحوهم بالجري الشديد مثل الشيطان المريد إلى أن
وصلت إليهم وقالت لهم : العجل يا جند الرحمن إلى جهاد حزب الشيطان . فلما
رآها بهرام أقبل عليها وترجل وقبل الأرض بين يديها وقال لها : يا ولي الله ما
وراءك ? فقالت : لا تسأل عن سوء الحال وشديد الأهوال فإن أصحابنا لما
أخذوا المال من دير مطروحنا أرادوا أن يتوجهوا إلى القسطنطينية فعند ذلك خرج عليهم
عسكر جرار ذو بأس من الكفار . ثم إن الملعونة أعادت عليهم أرجافاً وجلاً
وقالت : إن أكثرهم هلك ولم يبق إلا خمسة وعشرون رجلاً . فقال بهرام :
أيها الزاهد متى فارقتهم ? فقال : في ليلتي هذه . فقال بهرام :
سبحان الذي طوى لك الأرض البعيدة وأنت ماشي على قدميك متكئاً على جريدة لكنك من
الأولياء الطيارة المهمين وحي الإشارة . ثم ركب على ظهر جواده وهو مدهوش وحيران
بما سمعه من ذات الإفك والبهتان ، وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم لقد ضاع تعبنا وضاقت صدرونا وأسر سلطاننا ومن معه . ثم جعلوا يقطعون الأرض
طولاً وعرضاً ليلاً ونهاراً ، فلما كان وقت السحر أقبلوا على رأس الشعب فرأوا ضوء
المكان وأخاه شركان يناديان بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير فحمل هو وأصحابه أحاطوا بالكفار إحاطة السيل
بالقفار وصاحوا عليهم صياحاً ضجت منه الأبطال وتصدعت منه الجبال فلما أصبح الصباح
وأشرق بنوره ولاح لهم من ضوء المكان طيبه ونشره وتعارفوا ببعضهم كما تقدم ذكره
فقبلوا الأرض بين يدي ضوء المكان وأخيه شركان وأخبروهم بما جرى لهم في المغارة
فتعجبوا من ذلك . ثم قالوا لبعضهم : أسرعوا بنا إلى القسطنطينية لأننا تركنا
أصحابنا هناك وقلوبنا عندهم . فعند ذلك أسرعوا في المسير وتوكلوا على اللطيف
الخبير وكان ضوء المكان يقوي المسلمين على الثبات وينشد هذه الأبيات :
لك الحمد مستوجب الحمد والشكر ........ فما زلت لي بالعون يا
رب في أمري
ربيت غريباً في البلاد وكنـت لي ........ كفيلاً وقد قدرت يا
ربنـا نـصري
وأعطيتني مالاً وملـكـاً ونعـمة ........ وقلدتني سيف الشجاعة
والـنصر وخولتني
ظل المليك معـمراً وقد ........ وجدت لي من فيض وجودك بالغمر
بفضلك قد صلنا على
الروم صولة ........ وقد رجعوا بالضرب فـي خور
وأظهرت أني قد هـزمت هزيمة ........ وعدت عليهم عودة الضيغم
الغـمر
تركتهم في القاع صرعى كأنـهم ........ نشاوى بكأس الموت لا
قهوة الحمر
وصارت بأيدينا
المراكـب كلـها ........ وصار لنا السلطان في البر والبحر
وجاء إلينا الزاهـد
العـابد الذي ........ كرامته شاعت لذي البدو والحضر
أتينا لأخذ الثأر من
كل كافر وقد ........ شاع عند الناس ما كان من أمري
فلما فرغ ضوء المكان
من شعره هنأه أخوه شركان بالسلامة وشكره على أفعاله ، ثم إنهم توجهوا مجدين المسير
. وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الثانية والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن شركان هنأ أخاه
ضوء المكان بالسلامة وشكره على أفعاله ثم إنهم توجهوا مجدين المسير طالبين عساكرهم
. هذا ما كان من أمرهم . وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها لما لاقت
عسكر بهرام ورستم عادت إلى الغابة وأخذت جوادها وركبته وأسرعت في سيرها حتى أشرفت
على عسكر المسلمين والمحاصرين للقسطنطينية ، ثم إنها نزلت وأخذت جوادها وأتت به
إلى السرداق الذي فيه الحاجب فلما رآها نهض لها قائماً وأشار إليها بالإيماء
وقال : مرحباً بالعابد الزاهد . ثم سألها عما جرى فأخبرته بخبرها المرجف
وبهتانها المتلف وقالت له : إني أخاف على الأمير رستم والأمير بهرام لأني قد
لاقيتهما مع عسكرهما في الطريق وأرسلتهما إلى الملك ومن معه وكانا في عشرين ألف فارس
، والكفار أكثر منهم وإني أردت في هذه الساعة أن ترسل جملة من عسكرك حتى يلحقوهم
بسرعة ، لئلا يهلكوا عن آخرهم . وقالت لهم : العجل العجل . فلما سمع الحاجب
والمسلمون منها ذلك الكلام انحلت عزائمهم وبكوا وقالت لهم ذات الدواهي :
استعينوا بالله واصبروا على هذه الرزية فلكم أسوة بمن سلف من الأمة المحمدية
فالجنة ذات العصور أعدها لمن يموت شهيداً ، ولا بد من الموت لكل أحد ولكنه في
الجهاد أحمد . فلما سمع الحاجب كلام اللعينة ذات الدواهي دعا بأخ الأمير بهرام
وكان فارساً يقال له تركاش وانتخب له عشرة آلاف فارس أبطال عوابس ، وأمره بالسير
فسار في ذلك اليوم وطول الليل حتى قرب من المسلمين فلما أصبح الصباح رأى شركان ذلك
الغبار فقال : أن يكونوا المسلمين فهذا هو النصر المبين وإما أن يكونوا من
عسكر الكفار فلا اعتراض على الأقدار . ثم إنه أتى إلى أخيه ضوء المكان ، وقال
له : لا تخف أبداً فإني أفديك بروحي من الردى فإن هؤلاء من عسكر الإسلام فهذا
مزيد الأنعام وإن كان هؤلاء أعداءنا فلا بد من قتالهم لكن أشتهي أن أقابل العابد
قبل موتي لأسأله أن يدعو إلى أن لا أموت إلا شهيداً فبينما هم كذلك وإذا بالرايات
قد لاحت مكتوباً عليها : لا إله إلا الله محمد رسول الله . فصاح شركان :
كيف حال المسلمين ? قالوا : بعافية وسلامة وما أتينا إلا خوفاً عليكم .
ثم ترجل رئيس العسكر عن جواده وقبل الأرض بين يديه وقال : يا مولانا كيف
السلطان والوزير دندان ورستم وأخي بهرام ? أما هم الجميع سالمون ? فقال بخير . ثم قال له : ومن الذي أخبركم بخبرنا ? قال : الزاهد قد ذكر
أنه أتى أخي بهرام ورستم وأرسلهما إليكم وقال لنا : إن الكفار قد أحاطوا بهم
وهم كثيرون وما أرى الأمر إلا بخلاف ذلك وأنتم منصورون . فقال لهم : وكيف
وصول الزاهد إليكم ? فقالوا له : كان سائراً على قدميه وقطع في يوم
وليلة مسيرة عشرة أيام للفارس المجد . فقال شركان : لا شك أنه ولي الله ،
وأين هو ? قالوا له : تركناه عند عسكرنا أهل الإيمان يحرضهم على قتال
أهل الكفر والطغيان . ففرح شركان بذلك وحمد الله سلامتهم وسلامة الزاهد ، وترحموا
على من قتل منهم وقالوا : كان ذلك في الكتاب المسطور . ثم ساروا مجدين في
سيرهم فبينما هم كذلك وإذا بغبار قد سار حتى سد الأقطار وأظلم منه النهار فنظر
إليه شركان ، وقال : إني أخاف أن يكون الكفار قد كسروا عسكر الإسلام لأن هذا
الغبار سد المشرقين وملأ الخافقين . ثم لاح من تحت ذلك عمود من الظلام أشد سواداً
من حالك الأيام وما زالت تقرب منهم تلك الدعامة وهي أشد من هول يوم القيامة
فتسارعت إليها الخيل والرجال لينظروا ما سبب سوء هذا الحال فرأوه الزاهد المشار
إليه فازدحموا على تقبيل يديه وهو ينادي : يا أمة خير الأنام ومصباح الظلام
إن الكفار غدروا بالمسلمين فأدركوا عساكر الموحدين وأنقذوهم من أيدي الكفرة اللئام
فإنهم هجموا عليهم في الخيام ونزل بهم العذاب المهين وكانوا في مكانهم آمنين . فلما سمع شركان ذلك الكلام طار قلبه من شدة الخفقان وترجل عن جواده وهو حيران . ثم
قبل يد الزاهد ورجليه وكذلك أخوه ضوء المكان وبقية العسكر من الرجال والركبان إلا
الوزير دندان فإنه لم يترجل عن جواده وقال : والله إن قلبي نافر من هذا
الزاهد لأني ما عرفت للمتنطعين في الدين غير المفاسد فاتركوه وأدركوا أصحابكم
المسلمين فإن هذا من المطرودين عن باب رحمة رب العالمين ، فكم غزوت مع الملك عمر النعمان
ودست أراضي هذا المكان . فقال له شركان : دع هذا الظن الفاسد أما نظرت إلى
هذا العابد وهو يحرض المؤمنين على القتال ولا يبالي بالسيوف والنبال فلا تغتابه
لأن الغيبة مذمومة ولحوم الصالحين مسمومة وانظر إلى تحريضه لنا على قتال أعدائنا ،
ولولا أن الله تعالى يحبه ما طوى له العبد بعد أن أوقعه سابقاً في العذاب الشديد ثم إن شركان أمر أن يقدموا بغلة نوبية إلى الزاهد ليركبها وقال له : اركب
أيها الزاهد الناسك العابد . فلم يقبل ذلك وامتنع عن الركوب وأظهر الزهد لينال
المطلوب ، وما دروا أن هذا الزاهد الطاهر هو الذي قال في مثله الشاعر : صلى
وصام لأمر كان يطـلـبـه ........ لما قضي الأمر لا صلى ولا صاما ثم إن ذلك الزاهد
ما زال ماشياً بين الخيل والرجال كأنه الثعلب المحتال رافعاً صوته بتلاوة القرآن
وتسبيح الرحمن وما زالوا سائرين حتى أشرفوا على عسكر الإسلام فوجدهم شركان في حالة
الانكسار والحاجب قد أشرف على الهزيمة والفرار والسيف يعمل بين الأبرار والفجار . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
الليلة الثالثة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن السبب في خذل
المسلمين أن اللعينة ذات الدواهي عدوة الدين لما رأت بهرام ورستم قد سارا بعسكرهما
نحو شركاء وأخيه ضوء المكان سارت هي نحو عسكر المسلمين وأرسلت الأمير تركاش كما تقدم ذكره وقصدها بذلك أن تفرق بين عسكر المسلمين
لأجل أن يضعفوا ، ثم تركتهم وقصدت القسطنطينية ونادت بطارقة الروم بأعلى صوتها
وقالت : أدلوا حبلاً لأربط فيه هذا الكتاب وأوصلوه إلى ملككم أفريدون ليقرأه
هو وولدي ملك الروم ويعملان بما فيه من أوامره ونواهيه . فأدلوا لها حبلاً فربطت
فيه الكتاب وكان مضمونه : من عند الداهية والطامة الكبرى ذات الدواهي إلى
الملك أفريدون ، أما بعد فإني دبرت لكم حيلة على هلاك المسلمين فكونوا مطمئنين وقد
أسرتهم وأسرت سلطانهم ووزيرهم ثم توجهت إلى عسكرهم وأخبرتهم بذلك فانكسرت شوكتهم
وضعفت قوتهم وقد خدعت العسكر المحاصرين للقسطنطينية حتى أرسلت منهم اثني عشر ألف
فارس مع الأمير تركاش خلاف المأسورين وما بقي منهم إلا القليل ، فالمراد أنكم
تخرجون إليهم بجميع عسكركم في بقية هذا النهار وتهجمون عليهم في خيامهم ولكنكم لا
تخرجون إلا سواء واقتلوهم عن آخرهم ، فإن المسيح قد نظر إليكم والعذراء تعطف عليكم
، وأرجو من المسيح أن لا ينسى فعلي الذي قد فعلته . فلما وصل كتابها إلى الملك
أفريدون فرح فرحاً شديداً وأرسل في الحال إلى ملك الروم ابن ذات الدواهي وأحضره
وقرأ الكتاب عليه ففرح وقال : انظر إلى مكر أمي فإنه يغني عن السيوف وطلعتها
تنوب عن هول اليوم المخوف . فقال الملك أفريدون : لا أعدمك المسيح طلعة أمك
ولا أخلاك من مكرك ولؤمك . ثم أمر البطارقة أن ينادوا بالرحيل إلى خارج المدينة
وشاع الخبر في القسطنطينية وخرجت عساكر النصرانية والعصبة الصليبية وجردوا السيوف
الحداد وأعلنوا بكلمة الكفر والإلحاد وكفروا برب العباد ، فلما نظر الحاجب إلى ذلك
قال : إن سلطاننا غائب فربما هجموا علينا وأكثر عساكرنا قد توجه إلى الملك
ضوء المكان . واغتاظ الحاجب ونادى : يا عسكر المسلمين وحماة الدين المتين إن
هربتم هلكتم وإن صبرتم نصرتم فاعلموا أن الشجاعة صبر ساعة وما ضاق أمر إلا أوجد
الله اتساعه ، بارك الله فيكم ونظر إليكم بعين الرحمة . وهنا أدرك شهرزاد الصباح
فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الرابعة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الحاجب قال
لجيش المسلمين : بارك الله عليكم ونظر إليكم بعين الرحمة . فعند ذلك كبر
المسلمون وصاح الموحدون ودارت رحى الحرب بالطعن والضرب وعملت الصوارم والرماح وملأ
الدم الأودية والبطاح وقسست القسوس والرهبان وشدوا الزنانير ورفعوا الصلبان وأعلن
المسلمون بالتكبير للملك الديان وصاحوا بتلاوة القرآن واصطدم حزب الرحمن بحزب
الشيطان وطارت الرؤوس عن الأبدان وطافت الملائكة الأخيار على أمة النبي المختار
ولم يزل السيف يعمل إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار وقد أحاط الكفار
بالمسلمين وحسبوا أن ينجوا من العذاب المبين وطمع المشركون في أهل الإيمان إلى أن
طلع الفجر وبان فركب الحاجب هو وعسكره ورجا الله أن ينصره واختلطت الأمم بالأمم
وقامت الحرب على ساق وقدم وطارت القمم وثبت الشجاع وتقدم وولى الجبان وانهزم وقضى
قاضي الموت وحكم حتى تطاوحت الأبطال عن السروج وامتلأت بالأمواج المروج وتأخرت
المسلمون عن أماكنها وملكت بعض خيامها ومساكنها وعزم المسلمون على الانكسار
والهزيمة والفرار . فبينما هم كذلك وإذا بقدوم شركان بعساكر المسلمين ورايات
الموحدين ، فلما أقبل عليهم شركان حمل على الكفار وتبعه ضوء المكان وحمل بعدهما
الوزير دندان وكذلك أمير ديلم بهرام ورستم وأخوه تركاش ، فإنهم لما رأوا ذلك طارت
عقولهم وغاب معقولهم وثار الغبار حتى ملأ الأقطار واجتمعت واجتمع المسلمون الأخيار
بأصحابهم الأبرار واجتمع شركان بالحاجب فشكره على صبره وهنأه بتأييده ونصره وفرحت
المسلمون وقويت قلوبهم وحملوا على أعدائهم وأخلصوا لله في جهادهم ، فلما نظر
الكفار إلى الرايات المحمدية وعليها كلمة الإخلاص الإسلامية وصاحوا بالويل والثبور
واستغاثوا ببطارقة الدبور ونادوا يوحنا ومريم والصليب وانقبضت أيديهم عن القتال
وقد أقبل الملك أفريدون على ملك الروم وصار أحدهما إلى الميمنة والآخر في الميسرة
وعندهم فارس مشهور يسمى لاويا فوقف وسطاً واصطفوا للنزال وإن كانوا في فزع وزلزال
ثم صفت المسلمون عساكرهم . فعند ذلك أقبل شركان على أخيه ضوء المكان وقال له :
يا ملك الزمان لا شك أنهم يريدون البراز وهذا غاية مرادنا ولكن أحب أن أقدم من
العسكر من له عزم ثابت فإن التدبير نصف المعيشة . فقال السلطان : ماذا تريد
يا صاحب الرأي السديد ? فقال شركان : أريد أن أكون في قلب عسكر الكفار
وأن يكون الوزير دندان في الميسرة وأنت في الميمنة والأمير بهرام في الجناح الأيمن
والأمير رستم في الجناح الأيسر وأنت أيها الملك العظيم تكون تحت الأعلام والرايات
لأنك عمادنا وعليك بعد الله اعتمادنا ونحن كلنا نفديك من كل أمر يؤذيك . فشكره ضوء
المكان على ذلك وارتفع الصياح وجردت الصفاح . فبينما هم كذلك وإذا بفارس قد ظهر من
عسكر الروم فلما قرب رأوه راكباً على بغلة قطوف تفر بصاحبها من وقع السيوف
وبردعتها من أبيض الحرير وعليها سجادة من شغل كشمير وعلى ظهرها شيخ مليح الشيبة
ظاهر الهيبة عليه مدرعة من الصوف الأبيض ولم يزل يسرع بها وينهض حتى قرب من عسكر
المسلمين وقال : إني رسول إليكم أجمعين وما على الرسول إلا البلاغ فأعطوني
الأمان والإقالة حتى أبلغكم الرسالة . فقال له شركان : لك الأمان فلا تخش حرب
سيف ولا طعن سنان . فعند ذلك ترجل الشيخ وقلع الصليب من عنقه بين يدي السلطان وخضع
له خضوع راجي الإحسان فقال له المسلمون : ما معك من الأخبار ?
فقال : إني رسول من عند الملك أفريدون فإني نصحته ليمتنع عن تلف هذه الصور
والهياكل الرحمانية وبينت له أن الصواب حقن الدماء والاقتصار على فارسين في
الهيجاء فأجابني إلى ذلك وهو يقول لكم : إني فديت عسكري بروحي فليفعل ملك المسلمين
مثلي ويفدي عسكره بروحه فإن قتلني فلا يبقى لعسكر الكفار ثبات وإن قتله فلا يبقى
لعسكر المسلمين ثبات . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الخامسة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن رسول الملك
أفريدون لما قال للمسلمين : إن قتل ملك المسلمين فلا يبقى لعسكره ثبات . فلما
سمع شركان هذا الكلام قال : يا راهب إنا أجبناه إلى ذلك فإن هذا هو الإنصاف
فلا يكون منه خلاف وها أنا أبرز إليه وأحمل عليه فإني فارس المسلمين غير المفر
فارجع إليه أيها الراهب وقل له أن البراز في غد لأننا أتينا من سفرنا على تعب في
هذا اليوم وبعد الراحة لا عتب ولا لوم . فرجع الراهب وهو مسرور حتى وصل إلى الملك
أفريدون وملك الروم وأخبرهما ففرح الملك أفريدون وملك الروم غاية الفرح وزال الهم
والترح ، وقال في نفسه : لا شك أن شركان هذا هو أضربهم بالسيف وأطعنهم بالسنان
فإذا قتلته انكسرت همتهم وضعفت قوتهم . وقد كانت ذات الدواهي كاتبت الملك أفريدون
بذلك ، وقالت له : إن شركان هو فارس الشجعان وشجاع الفرسان . وحذرت أفريدون
من شركان وكان أفريدون فارساً عظيماً لأنه كان يقاتل بأنواع القتال ويرمي بالحجارة
والنبال ويضرب بالعمود الحديد ، ولا يخشى من البأس الشديد . فلما سمع قول الراهب
من أن شركان أجاب إلى البراز كاد أن يطير من شدة الفرح لأنه واثق بنفسه ويعلم أنه
لا طاقة لأحد به ، ثم بات الكفار تلك الليلة في فرح وسرور وشرب خمور فلما كان
الصباح أقبلت الفوارس بسمر الرماح وبيض الصفاح وإذا هم بفارس قد برز في الميدان
وهو راكب على جواد من الخيل الجياد معد للحرب والجلاد وله قوائم شداد وعلى ذلك
الفارس درع من الحديد معد للبأس الشديد وفي صدره مرآة من الجوهر وفي يده صارم أبتر
وقنطارته خلنجية من غريب عمل الإفرنج أن الفارس كشف عن وجهه وقال : من عرفني
فقد اكتفاني ومن لم يعرفني فسوف يراني ، أنا أفريدون المغمور ببركة شواهي ذات
الدواهي . فما تم كلامه حتى خرج في وجهه فارس المسلمين شركان وهو راكب على جواد
أشقر يساوي ألفاً من الذهب الأحمر وعليه عدة مزركشة بالدرر والجوهر وهو متقلد بسيف
هندي مجوهر يقد الرقاب ويهون الأمور الصعاب . ثم ساق جواده بين الصفين والفرسان
تنظره بالعين ثم نادى أفريدون ، وقال له : ويلك يا ملعون أتظنني كمن لاقيت من
الفرسان ولا يثبت معك في حومة الميدان . ثم حمل كل منهما على صاحبه فصار الاثنان
كأنهما جبلان يصطدمان أو بحران يلتطمان ثم تقاربا وتباعدا والتصقا وافترقا ولم
يزالا في كر وفر وهزل وجد وضرب وطعن والجيشان ينظران إليهما وبعضهم يقول : إن
شركان غالب . والبعض يقول : إن أفريدون غالب . ولم يزل الفارسان على هذا
الحال حتى بطل القيل والقال وعلا الغبار وولى النهار ومالت الشمس إلى الاصفرار
وصاح الملك افريدون على شركان وقال : وحق المسيح والاعتقاد الصحيح ما أنت إلا
فارس كرار وبطل مغوار غير أنك غدار وطبعك ما هو إلا طبع الأخيار لأني أرى فعالك
غير حميدة وقتالك قتال الصناديد ، وقومك ينسبونك إلى العبيد ، وها هم أخرجوا لك
غير جوادك وتعود إلى القتال وإني حق ديني قد أعياني قتالك وأتعبني ضربك وضمانك فإن
كنت تريد قتالي في هذه الليلة فلا تغير شيئاً من عدتك ولا جودتك ، حتى يظهر
الفرسان كرمك وقتالك . فلما سمع شركان هذا الكلام اغتاظ من قول أصحابه في حقه ،
حيث ينسبونه إلى العبيد ، فالتفت إليهم شركان وأراد أن يسير إليهم ويأمرهم أن لا
يغيروا له جواداً ولا عدة وإذا بأفريدون هز حربته وأرسلها إلى شركان فالتفت وراءه
فلم يجد أحداً فعلم أنها حيلة من الملعون فرد وجهه بسرعة وإذا بالحربة قد أدركته
فمال عنها حتى ساوى برأسه قربوس سرجه فجرت الحربة على صدره وكان شركان عالي الصدر
فكشطت الحربة جلدة صدره ، فصاح صيحة واحدة وغاب عن الدنيا ففرح الملعون أفريدون
بذلك وعرف أنه قد قتل فصاح على الكفار ونادى بالفرح فهاجت أهل الطغيان وبكت أهل
الإيمان فلما رأى ضوء المكان أخاه مائلاً على الجواد حتى كاد أن يقع أرسل نحوه
الفرسان فتسابقت إليه الأبطال وأتوا به إليه وحملت الكفار على المسلمين والتقى
الجيشان واختلط الصفان وعمل اليماني وكان أسبق الناس إلى شركان الوزير دندان . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة السادسة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء
المكان لما رأى اللعين قد ضرب أخاه شركان بالحربة ظن أنه مات فأرسل إليه الفرسان
وكان أسبق الناس إليه الوزير دندان وأمير الترك بهرام وأمير الديلم فلحقوه وقد مال
عن جواده فأسندوه ورجعوا به إلى أخيه ضوء المكان . ثم أوصوا الغلمان وعادوا إلى
الحرب والطعان واشتد النزال وتقصفت النصال وبطل القيل والقال فلا يرى إلا دم سائل
وعنق مائل ولم يزل السيف يعمل في الأعناق واشتد الشقاق إلى أن أقبل الليل وكلت
الطائفتان عن القتال فنادوا بالانفصال ورجعت كل طائفة إلى خيامها وتوجه جميع
الكفار إلى ملكهم أفريدون وقبلوا الأرض بين يديه وهنأه القسوس والرهبان بظفره
بشركان . ثم إن الملك أفريدون دخل القسطنطينية وجلس على كرسي مملكته وأقبل عليه
ملك الروم وقال له : قوى المسيح ساعدك واستجاب من الأم الصالحة ذات الدواهي
ما تدعو به لك واعلم أن المسلمين ما بقي لهم إقامة بعد شركان . فقال أفريدون :
في غد يكون الانفصال إذا خرجت إلى النزال وطلبت ضوء المكان وقتلته فإن عسكرهم
يولون الأدبار ويركنون إلى الفرار . هذا ما كان من أمر الكفار . وأما ما كان من
أمر عساكر الإسلام فإن ضوء المكان لما رجع إلى الخيام لم يكن له شغل إلا بأخيه
فلما دخل عليه وجده في أسوأ الأحوال وأشد الأهوال فدعا بالوزير دندان ورستم وبهرام
للمشورة فلما دخلوا عليه اقتضى رأيهم إحضار الحكماء لعلاج شركان ثم بكوا
وقالوا : لم يسمح بمثله الزمان . وسهروا عنده تلك الليلة وفي آخر الليل أقبل
عليهم الزاهد وهو يبكي فلما رآه ضوء المكان قام إليه فملس بيده على أخيه وتلى
شيئاً من القرآن ، وعوذه بآيات الرحمن وما زال سهراناً عنده إلى الصباح فعند ذلك
استفاق شركان وفتح عينيه وأدار لسانه في فمه وتكلم ففرح السلطان ضوء المكان وقال : قد حصلت له بركة الزاهد . فقال
شركان : الحمد لله على العافية فإنني بخير في هذه الساعة وقد عمل علي هذا
الملعون حيلة ولولا أني زغت أسرع من البرق لكانت الحربة نفذت في صدري فالحمد لله
الذي نجاني وكيف حال المسلمين ؟ فقال ضوء المكان : هم في بكاء من أجلك .
فقال : إني بخير وعافية وأين الزاهد ؟ وهو عند رأسه قاعد ، فقال له :
عند رأسك . فقام إليه وقبل يديه ، فقال الزاهد : يا ولدي عليك بجميل الصبر
يعظم الله لك الأجر فإن الأجر على قدر المشقة . فقال له شركان : ادع لي .
فدعا له . فلما أصبح الصباح وبان الفجر ولاح برزت المسلمون إلى ميدان الحرب وتهيأ
الكفار للطعن والضرب ، وتقدمت عساكر المسلمين فطلبوا الحرب والكفاح وجردوا السلاح
وأراد الملك ضوء المكان وأفريدون أن يحملا على بعضهما وإذا بضوء المكان : نحن
فداك . فقال لهم : وحق البيت الحرام وزمزم والمقام لا اقعد عن الخروج إلى
هؤلاء العلوج . فلما صار في الميدان لعب بالسيف والسنان حتى أذهل الفرسان وتعجب الفريقان
وحمل في الميمنة فقتل منها بطريقين وفي الميسرة فقتل منها بطريقين ونادى في وسط
الميدان : أين أفريدون حتى أذيقه عذاب الهوان . فأراد الملعون أن يولي وهو
مغبون فأقسم عليه ضوء المكان أن لا يبرح من الميدان وقال له : يا ملك بالأمس
كان قتال أخي واليوم قتالي وأنا بشجاعتك لا أبالي . ثم خرج وبيده صارم وتحته حصان
كأنه عنتر في حومة الميدان وذلك الحصان أدهم مغاير كما قال فيه الشاعر :
قد سابق الطرف بطرف سابـق ........ كأنـه يريد إدراك الـقـدر
دهمته
تبدي سـواداً حـالـكـا
........ كأنها ليل إذا اللـيل عـكـر صهيله
يزعج مـن يسـمـعـه ........ كأنه الرعد إذا الرعد زجـر
لو تسابق الريح جرى من
قبلها ........ والبرق لا يسبقه إذا ظـهـر
ثم حمل كل منهما على
صاحبه ، واحترس من مضاربه وأظهر ما في بطنه من عجائبه وأخذا في الكر والفر حتى
ضاقت الصدر وقل الصبر للمقدور وصاح ضوء المكان وهجم على ملك القسطنطينية أفريدون
وضربه ضربة أطاح بها رأسه وقطع أنفاسه ، فلما نظرت الكفار إلى ذلك حملوا جميعاً
عليه وتوجهوا بكليتهم إليه فقابلهم في حومة الميدان واستمر الضرب والطعان حتى سال
الدم بالجريان وضج المسلمون بالتكبير والتهليل والصلاة على البشير النذير وقاتلوا قتالاً
شديداً وأنزل الله النصر على المؤمنين والخزي على الكافرين ، وصاح الوزير
دندان : خذوا بثأر الملك عمر النعمان وثار ولده شركان . وكشف برأسه
وصاح : يا للأتراك . وكان بجانبه أكثر من عشرين ألف فارس فحملوا معه حملة
واحدة فلم يجد الكفار لأنفسهم غير الفرار وتولي الأدبار وعمل فيهم الصارم البتار
فقتل منهم نحو خمسين ألف فارس وأسروا ما يزيد على ذلك ، وقتل عند دخول الباب خلق
كثير من شدة الزحام ، ثم أغلقوا الباب وطلعوا فوق الأسوار وخافوا خوف العذاب وعادت
طوائف المسلمين مؤيدين منصورين وأتوا خيامهم ودخل ضوء المكان على أخيه فوجده في
أسر الأحوال فسجد وشكر الكريم المتعال ثم أقبل عليه وهنأه بالسلامة . فقال
شركان : إننا كلنا في بركة هذا الزاهد الأواب ما انتصرنا إلا بدعائه المستجاب
، فإنه لم يزل قاعداً يدعو للمسلمين بالنصر . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن
الكلام المباح .
الليلة السابعة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء
المكان لما دخل علي أخيه شركان وجده جالساً والعابد عنده ففرح وأقبل عليه وهنأه
بالسلامة ثم إن شركان قال : إننا كلنا في بركة هذا الزاهد وما انتصرتم إلا
بدعائه لكم فإنه ما برح اليوم يدعو للمسلمين وكنت قد وجدت في نفسي قوة حين سمعت
تكبيركم فعلمت أنكم منصورون على أعدائكم فاحك لي يا أخي ما وقع لك . فحكى له جميع
ما وقع له مع الملك الملعون أفريدون وأخبره أنه قتله وراح إلى لعنة الله فأثنى
عليه وشكر مسعاه فلما سمعت ذات الدواهي وهي في صفة الزاهد بقتل ولدها أفريدون
انقلب لونها بالاصفرار وتغرغرت عيناها بالدموع الغزار ولكنها أخفت ذلك وأظهرت
للمسلمين أنها فرحت وأنها تبكي من شدة الفرح ثم إنها قالت في نفسها : وحق
المسيح ما بقي في حياتي فائدة إن لم أحرق قلبه على أخيه شركان ، كما أحرق قلبي على
عماد الملة النصرانية والعبادة الصليبية الملك أفريدون . ولكنها كفت ما بها ثم
إن الوزير دندان والملك ضوء المكان والحاجب استمروا جالسين عند الملك شركان حتى
عملوا له اللزق وأعطوه الدواء فتوجهت إليه العافية وفرحوا بذلك فرحاً شديداً
وأعلموا به العساكر فتباشر المسلمون وقالوا في غد يركب معنا ويباشر الحصار ، ثم إن
شركان قال لهم : إنكم قاتلتم اليوم وتعبتم من القتال فينبغي أن تتوجهوا إلى
أماكنكم وتناموا ولا تسهروا . فأجابوه إلى ذلك وتوجه كل منهم إلى صرادقه وما بقي
عند شركان سوى قليل من الغلمان والعجوز ذات الدواهي فتحدث معها قليلاً من الليل ،
ثم اضطجع لينام وكذلك الغلمان ، فلما غلب عليهم النوم صاروا مثل الأموات . هذا ما
كان من أمر شركان وغلمانه . وأما ما كان من أمر العجوز ذات الدواهي فإنها بعد
نومهم صارت يقظانة وحدها في الخيمة نظرت إلى شركان فوجدته مستغرقاً في النوم ،
فوثبت على قدميها كأنها دبة معطاء أو آفة نقطاء وأخرجت من وسطها خنجراً مسموماً لو
وضع على صخرة لأذابها ثم جردته من غمده وأتت عند رأس شركان وجردته على رقبته
فذبحته وأزالت رأسه عن جسده ثم وثبت على قدميها وأتت إلى الغلمان النيام وقطعت
رؤوسهم لئلا ينتبهوا ثم خرجت من الخيمة وأتت إلى خيام السلطان ، فوجدت الحراس غير نائمين فمالت إلى خيمة الوزير دندان فوجدته
يقرأ القرآن فوقعت عينه عليها فقال : مرحباً بالزاهد العابد . فلما سمعت ذلك
من الوزير ارتجف قلبها وقالت له : إن سبب مجيئي إلى هنا في هذا الوقت أني
سمعت صوت ولي من أولياء الله وأنا ذاهب إليه . ثم ولت . فقال الوزير دندان في
نفسه : والله لأتبع هذا الزاهد في هذه الليلة . فقام ومشى خلفها ، فلما أحست
الملعونة بمشيه عرفت أنه وراءها فخشيت أن تفتضح وقالت في نفسها : إن لم أخدعه
بحيلة فإني أفتضح . فأقبلت إليه وقالت : أيها الوزير إني سائر خلف هذا الولي
لأعرفه وبعد أن أعرفه أستأذنه في مجيئك إليه وأقبل عليك وأخبرك لأني أخاف أن تذهب
معي بغير استئذان للولي فيحصل له نفرة مني إذا رآك معي . فلما سمع الوزير كلامها
استحى أن يرد عليها جواباً فتركها ورجع إلى خيمته وأراد أن ينام فما طاب له منام
وكادت الدنيا أن تنطبق عليه فقام وخرج من خيمته وقال في نفسه : أنا أمضي إلى
شركان وأتحدث معه إلى الصباح فسار إلى أن دخل خيمة شركان فوجد الدم سائلاً منه
كالقناة ونظر الغلمان مذبوحين فصاح صيحة أزعجت كل من كان نائماً ، فتسارعت الخلق
إليه فرأوا الدم سائلاً فضجوا بالبكاء والنحيب . فعند ذلك استيقظ السلطان ضوء
المكان وسأل عن الخبر فقيل له : إن شركان أخاك والغلمان مقتولون . فقام
مسرعاً إلى أن دخل الخيمة ، فوجد الوزير دندان يصيح ووجد جثة أخيه بلا رأس فغاب عن
الدنيا وصاحت كل العساكر وبكوا وداروا حول ضوء المكان ساعة حتى استفاق ثم نظر إلى
شركان وبكى بكاء شديداً وفعل مثله الوزير ورستم وبهرام ، وأما الحاجب فإنه صاح
وأكثر من النواح ، ثم طلب الارتحال لما به من الأوجال فقال الملك : أما علمتم
بالذي فعل بأخي هذه الأفعال ومالي لا أرى الزاهد الذي عن متاع الدنيا متباعد ?
فقال الوزير : ومن جلب هذه الأحزان إلا هذا الزاهد الشيطان فوالله إن قلبي
نفر منه في الأول والآخر لأنني أعرف أن كل متنطح في الدين خبيث ماكر . ثم إن الناس
ضبوا بالبكاء والنحيب ، وتضرعوا إلى القريب المجيب أن يوقع في أيديهم ذلك الزاهد
الذي هو لآيات الله جاحد ، ثم جهزوا شركان ودفنوه في الجبل المذكور وحزنوا على
فضله المشهور . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الثامنة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملعونة لما
فرغت عن الداهية التي عملتها والمخازي التي لنفسها أبدتها ، أخذت دواة وقرطاساً
وكتبت فيه : من عند شواهي ذات الدواهي إلى حضرة المسلمين أعلموا أني دخلت
بلادكم وغششت بلؤمي كرامكم وقتلت سابقاً ملككم عمر النعمان في وسط قصره وقتلت
أيضاً في واقعة الشعب والمغارة رجالاً كثيرة وآخر من قتلته بمكري ودهائي وغدري
شركان وغلمانه ، ولو ساعدني الزمان وطاوعني الشيطان كنت قتلت السلطان والوزير
دندان وأنا الذي أتيت إليكم في زي الزاهد ، وانطلت عليكم من الحيل والمكايد فإن
شئتم سلامتكم بعد ذلك فارحلوا وإن شئتم هلاك أنفسكم فعن الإقامة لا تعدلوا فلو
أقمتم سنين وأعواماً ، لا تبلغون منا مراماً . وبعد أن كتبت الكتاب أقامت في حزنها
على الملك أفريدون ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع دعت بطريقاً وأمرته أن يأخذ الورقة
ويضعها في سهم ويرميها إلى المسلمين . ثم دخلت الكنيسة وصارت تندب وتبكي على فقد
أفريدون وقالت : لمن تسلطن بعده لا بد أن أقتل ضوء المكان وجميع أمراء
الإسلام . هذا ما كان من أمرها . وأما ما كان من أمر المسلمين فإنهم أقاموا ثلاثة
أيام في هم واغتمام وفي اليوم الرابع نظروا إلى ناحية السور وإذا ببطريق معه سهم
نشاب ، وفي عرفه كتاب فصبروا عليه حتى رماه إليهم فأمر السلطان الوزير دندان أن
يقرأه ، فلما قرأه وسمع ما فيه وعرف معناه هملت بالدموع عيناه ، وصاح وتضجر من
مكرها وقال الوزير : والله لقد كان قلبي نافراً منها . فقال السلطان :
وهذه العاهرة كيف عملت علينا الحيلة مرتين والله لا أحول من هنا حتى أملأ فرجها
بمسيح الرصاص وأسجنها سجن الطير في الأقفاص وبعد ذلك أصلبها من شعرها على باب
القسطنطينية . ثم تذكر أخاه فبكى بكاء شديداً . ثم إن الكفار لما توجهت لهم ذات
الدواهي وأخبرتهم بما حصل فرحوا بقتل شركان وسلامة ذات الدواهي . ثم إن المسلمين
رجعوا على باب القسطنطينية . ووعدهم السلطان أنه إذا فتح المدينة يفرق أموالها
عليهم بالسوية . هذا والسلطان لم تجف دموعه حزناً على أخيه واعترى جسمه الهزال حتى
صار كالخلال فدخل عليه الوزير دندان وقال له : طب نفساً وقر عيناً فإن أخاك
ما مات إلا بأجله وليس في هذا الحزن فائدة وما أحسن قول الشاعر : ما لا يكون
فلا يكون بحـيلة ........ أبداً وما هو كائن سيكـون سيكون ما هو كائن في وقته
........ وأخو الجهالة دائماً مغبون فدع البكاء والنواح وقو قلبك لحمل السلاح .
فقال : يا وزير إن قلبي مهموم من أجل موت أبي وأخي ومن أجل غيابنا عن بلادنا
فإن خاطري مشغول برعيتي . فبكى الوزير هو والحاضرون وما زالوا مقيمين على حصار
القسطنطينية مدة من الزمان فبينما هم كذلك وإذا بالأخبار وردت عليهم من بغداد صحبة
أمير من أمرائه مضمونها ، إن زوجة الملك ضوء المكان رزقت ولداً وسمته نزهة الزمان
أخت الملك كان ما كان ولكن هذا الغلام سيكون له شأن بسبب ما رأوه من العجائب والغرائب
وقد أمرت العلماء والخطباء أن يدعوا لكم على المنابر ودبر كل صلاة ، وإننا طيبون
بخير والأمطار كثيرة إن صاحبك الوقاد في غاية النعمة الجزيلة وعنده الخدم والغلمان
ولكنه إلى الآن لم يعلم بما جرى لك والسلام . فقال له ضوء المكان : اشتد ظهري
حيث رزقت ولداً اسمه كان ما كان . وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
.
الليلة التاسعة والعشرين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال
للوزير دندان : إني أريد أن أترك هذا الحزن وأعمل لأخي ختمات وأموراً من
الخيرات . فقال الوزير : نعم ما أردت . ثم أمر بنصب الخيام على قبر أخيه ،
فنصبوها وجمعوا من العسكر من يقرأ القرآن فصار بعضهم يذكر الله إلى الصباح ، ثم
إنهم انصرفوا إلى الخيام وأقبل السلطان على الوزير دندان وأخذا يتشاورون في أمر القتال واستمرا على ذلك أياماً وليالي
وضوء المكان يتضجر من الهم والأحزان ثم قال : إني أشتهي سماع أخبار الناس
وأحاديث الملوك ، وحكايات المتيمين لعل الله يفرج ما بقلبي من الهم الشديد ويذهب
عني البكاء والمديد . فقال الوزير : إن كان ما يفرج همك أسماع قصص الملوك من
نوادر الأخبار وحكايات المتقدمين من المتيمين وغيرهم فإن هذا الأمر سهل لأنني لم
يكن لي شغل في حياة المرحوم والدك إلا الحكايات والأشعار وفي هذه الليلة أحدثك
بخبر العاشق والمعشوق لأجل أن ينشرح صدرك . فلما سمع ضوء المكان كلام الوزير دندان
تعلق قلبه بما وعده به ولم يبق له اشتغال إلا بانتظار مجيء الليل لأجل أن يسمع ما يحكيه
الوزير دندان ، من أخبار المتقدمين من الملوك والمتيمين فما صدق أن الليل أقبل ،
حتى أمر بإيقاد الشموع والقناديل وإحضار ما يحتاجون إليه من الأكل والشرب وآلات
البخور فأحضروا له جميع ذلك ، ثم أرسل إلى الوزير دندان فحضر وأرسل إلى بهرام رستم
وتركاش والحاجب الكبير فحضروا . فلما حضروا جميعهم بين يديه التفت إلى الوزير
دندان وقال له : اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل وسدل جلابيته علينا وأسبل
، ونريد أن تحكي لنا ما وعدتنا من الحكايات . فقال الوزير : حباً وكرامة . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
الليلة الثلاثين بعد المئة :
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك ضوء
المكان ، لما حضر الوزير والحاجب ورستم وبهرام التفت إلى الوزير دندان وقال
للوزير : اعلم أيها الوزير أن الليل قد أقبل وأسدل جلابيبه علينا وأسبل ونريد
أن تحكي لنا ما وعدتنا به من الحكايات . فقال الوزير : حباً وكرامة . ثم قال
الوزير دندان : اعلم أيها الملك السعيد أنه كان في سالف الزمان مدينة وراء
جبال أصبهان يقال لها المدينة الخضراء وكان بها ملك يقال له الملك سليمان وكان
صاحب جود وإحسان وعدل وأمان وفضل وامتنان وسارت إليه الركبان من كل مكان وشاع ذكره
في سائر الأقطار والبلدان وأقام في المملكة مدة مديدة من الزمان وهو في عز وأمان
إلا أنه كان خالياً من الأولاد والزوجات وكان له وزير يقاربه في الصفات من الجود
والهبات فاتفق أنه أرسل إلى وزيره يوماً من الأيام وأحضره بين يديه وقال له :
يا وزير إنه ضاق صدري وعيل صبري وضعف مني الجلد لكوني بلا زوجة ولا ولد وما هذا
سبيل الملوك الحكام على كل أمير وصعلوك فإنهم يفرحون بخلفة الأولاد وتتضاعف لهم
بهم العدد والأعداد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم تناكحوا وتناسلوا فإني مباه
بكم الأمم يوم القيامة فما عندك من الرأي يا وزير فأشر علي بما فيه النصح من
التدبير . فلما سمع الوزير ذلك الكلام فاضت الدموع من عينيه بالانسجام وقال :
هيهات يا ملك الزمان أن أتكلم فيما هو خصائص الرحمن أتريد أن أدخل النار بسخط
الملك الجبار ? فقال له الملك : اعلم أيها الوزير أن الملك إذا اشترى
جارية لا يعلم حسبها ولا يعرف نسبها فهو لا يدري خساسة أصلها ، حتى يجتنبها ولا
شرف عنصرها حتى يتسرى بها أفضى إليها ربما حملت منه فيجيء الولد منافقاً ظالماً
سفاكاً للدماء ويكون مثلها مثل الأرض السخية إذا زرع فإنه يخبث نباته ولا يحسن
نباته وقد يكون ذلك الولد متعرضاً لسخط مولاه ولا يفعل ما أمره به ولا يجتنب ما
عنه نهاه فأنا لا أسبب في هذا بشراء جارية أبداً وإنما مرادي أن تخطب لي بنتاً من
بنات الملوك يكون نسبها معروفاً وجمالها موصوفاً فإن دلتني على ذات النسب والدين
من بنات ملوك المسلمين فإني أخطبها وأتزوج بها على رؤوس الأشهاد ليحصل لي بذلك رضا
رب العباد . فقال له الوزير : إن الله قضى حاجتك وبلغك أمنيتك . فقال
له : وكيف ذلك ? فقال له : اعلم أيها الملك أنه بلغني أن الملك زهر
شاه صاحب الأرض البيضاء له بنت بارعة في الجمال يعجز عن وصفها القيل والقال ولم
يوجد لها في هذا الزمان مثيل لأنها في غاية الكمال قويمة الاعتدال ذات طرف كحيل
وشعر طويل وخصر نحيل وردف ثقيل إن أقبلت فتنت وإن أدبرت قتلت تأخذ القلب والناظر
إليها كما قال الشاعر :
هيفاء يخجل غصن البان قامـتـها ........ لم يحك طلعتها شمـس
ولا قمـر
كأنما ريقـها شهـد
وقـد مـزجت ........ به المدامة ولكن ثـغـرهـا درر
ممشوقة القد من حور الجنان لـها ........ وجه جميل وفي
ألحاظـهـا حور
وكم لها من قتيل مات
كيد من كمـد ........ وفي طريق هواها الخوف والخطر
إن عشت فهي المنى ما
شئت أذكرها ........ أو مت من دونها لم يجدني العمر
فلما فرغ الوزير من وصف تلك الجارية قال للملك سليمان
شاه : الرأي عندي أيها الملك أن ترسل إلى أبيها رسولاً فطناً خبيراً بالأمور
مجرباً لتصاريف الدهور ليتلطف في خطبتها لك من أبيها فإنها لا نظير لها في قاصي
الأرض ودانيها وتحظى منها بالوجه الجميل ويرضى عليك الرب الجليل ، فقد ورد عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا رهبانية في الإسلام . فعند ذلك توجه
إلى الملك كمال الفرح واتسع صدره وانشرح وزال عنه الهم والغم ، ثم أقبل على الوزير
وقال : اعلم أيها الوزير أنه لا يتوجه لهذا الأمر إلا أنت لكمال عقلك وأدبك ،
فقم إلى منزلك واقض أشغالك وتجهز في غد واخطب لي هذه البنت التي أشغلت بها خاطري
ولا تعد لي إلا بها . فقال : سمعاً وطاعة . ثم إن الوزير توجه إلى منزله
واستدعى بالهدايا التي تصلح للملوك من ثمين الجواهر ونفيس الذخائر وغير ذلك مما هو
خفيف في الحمل وثقيل في الثمن ومن الخيل العربية والدروع الداودية وصناديق
المال التي يعجز عن وصفها المقال ، ثم حملوها على البغال والجمال وتوجه الوزير
ومعه مائة مملوك ومائة جارية وانتشرت على رأسه الرايات والأعلام وأوصاه الملك أن
يأتي إليه في مدة قليلة من الأيام . وبعد توجهه صار الملك سليمان شاه على مقالي
النار مشغولاً بحبها في الليل والنهار وسار الوزير ليلاً نهاراً يطوي برار وأقفار
حتى بقي بينه وبين المدينة التي هو متوجه إليها يوم واحد ، ثم نزل شاطئ نهر واحضر
بعض خواصه وأمره أن يتوجه إلى الملك زهر شاه بسرعة ويخبره بقدومه عليه فقال :
سمعاً وطاعة . ثم توجه بسرعة إلى تلك المدينة فلما قدم عليها وافق قدومه أن الملك
زهر شاه كان جالساً في بعض المنتزهات قدام باب المدينة فرآه وهو داخل وعرف أنه
غريب فأمر بإحضاره بين يديه ، فلما حضر الرسول وأخبره بقدوم وزير الملك الأعظم
سليمان شاه صاحب الأرض الخضراء وجبال أصفهان ففرح الملك زهر شاه ورحب بالرسول
وأخذه وتوجه إلى قصره وقال : أين فارقت الوزير ? فقال : فارقته على
شاطئ النهر الفلاني وفي غد يكون واصلاً إليك وقادماً عليك أدام الله نعمته عليك
ورحم والديك . فأمر زهر شاه بعض وزرائه أن يأخذ معظم خواصه وحجابه ونوابه وأرباب دولته
ويخرج بهم إلى مقابلته تعظيماً للملك سليمان شاه لأن حكمه نافذ في الأرض . هذا ما
كان من أمر الملك زهر شاه . وأما ما كان من أمر الوزير فإنه استقر في مكان إلى نصف
الليل ثم رحل متوجهاً إلى المدينة فلما لاح الصباح وأشرقت الشمس على الروابي
والبطاح لم يشعر إلا ووزير الملك زهر شاه وحجابه وأرباب دولته وخواص مملكته قدموا
عليه واجتمعوا به على فراسخ من المدينة فأيقن الوزير بقضاء حاجته وسلم على الذين
قابلوه ولم يزالوا سائرين قدامه حتى وصلوا إلى قصر الملك ودخلوا بين يديه في باب
القصر إلى سابع دهليز وهو المكان الذي لا يدخله الراكب لأنه قريب من الملك فترجل
الوزير وسعى على قدميه حتى وصل إلى إيوان عال وفي صدر ذلك الإيوان سرير من المرمر
مرصع بالدر والجوهر وله أربعة قوائم من أنياب الفيل وعلى ذلك السرير مرتبة من
الأطلس الأخضر مطرزة بالذهب لأحمر ومن فوقها سرادق بالدر والجوهر والملك زهر شاه
جالس على ذلك السرير وأرباب دولته واقفون في خدمته . فلما دخل الوزير عليه وصار
بين يديه ثبت جنانه وأطلق لسانه وأبدى فصاحة الوزراء وتكلم بكلام البلغاء . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
حكاية معروف ألإسكافي
ومما يحكى أيها
الملك السعيد أنه كان في مدينة مصر المحروسة رجل إسكافي يرقع الزرابين القديمة
وكان اسمه معزة وكان له زوجةً اسمها فاطمة ولقبها العرة وما لقبوها بذلك إلا لأنها
كانت فاجرةً شرانيةً قليلة الحياء كثيرة الفتن وكانت حاكمةً على زوجها وفي كل يومٍ
تسبه وتلعنه ألف مرة وكان يخشى شرها ويخاف من أذاها لأنه كان رجلاً عاقلاً يستحي
على عرضه ولكنه كان فقير الحال فإذا اشتغل بكثيرٍ صرفه عليها وإذا اشتغل بقليلٍ
انتقمت من بدنه من تلك الليلة وأعدمته العافية وتجعل ليلته مثل صحيفتها. ومن جملة
ما اتفق لهذا الرجل مع زوجته أنها قالت له ذات يومٍ: يا معروف أريد منك من هذه
الليلة أن تجيء لي معك بكنافةٍ عليها عسل نحلٍ فقال لها: الله تعالى يسهل لي حقها
وأنا أجيء بها لك في هذه الليلة والله ليس معي دراهمٌ في هذا اليوم ولكن ربنا يسهل
فقالت له: أنا ما أعرف هذا الكلام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة
الثالثة والثمانين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن معروفاً الإسكافي قال لزوجته: الله يسهله بكلفها وأنا أجيء
بها في هذه الليلة والله ليس معي دراهمٌ في هذا اليوم لكن ربنا يسهل فقالت له: ما
أعرف هذا الكلام إن سهل أو لم يسهل لا تجئني إلا بالكنافة التي بعسل نحلٍ وأن جئت
من غير كنافةٍ جعلت ليلتك مثل بختك حين تزوجتني ووقعت في يدي فقال لها: الله كريمٌ
ثم خرج ذلك الرجل والغم يتناثر من بدنه فصلى الصبح وفتح الدكان وقال: أسألك يا رب
أن ترزقني بحق هذه الكنافة وتكفيني شر هذه الفاجرة في هذه الليلة وقعد في الدكان
إلى نصف النهار فلم يأته شغلٌ فاشتد خوفه من زوجته فقام وقفل الدكان وصار متحيراً
في أمره من شأن الكنافة مع أنه لم يكن معه من حق الخبز شيءٌ ثم أنه مر على دكان
الكنفاني ووقف باهتاً وغرغرت عيناه بالدموع فلحظ عليه الكنفاني وقال: يا معلم
معروف ما لك تبكي فأخبرني بما أصابك فأخبره بقصته وقال له: أن زوجتي جبارةٌ وطلبت
مني كنافةً وقد قعدت في الدكان حتى مضى نصف النهار فلم يجئني ولا ثمن الخبز وأنا
خائفٌ منها فضحك الكنفاني وقال: لا بأس عليك كم رطلاً تريد فقال له: خمسة أرطالٍ
وقال له: السمن عندي ولكن ما عندي عسل نحلٍ وإنما عندي عسل قصبٍ أحسن من عسل النحل
وماذا يضر إذا كانت بعسل قصب فاستحى منه لكونه يصبر عليه بثمنها فقال له: هاتها
بعسل قصبٍ فقلى له الكنافة بالسمن وغرقها بعسل قصب فصارت ثم أنه قال له: أتحتاج
عيشاً وجبناً قال: نعم فأخذ له بأربعة أنصافٍ عيشاً وبنصفٍ جبناً والكنافة بعشرة
أنصاف وقال له: اعلم يا معروف أنه قد صار عندك خمسة عشر نصفاً رح إلى زوجتك واعمل
حظاً وخذ هذا النصف حق الحمام وعليك مهل يومٍ أو يومان أو ثلاثة حتى يرزقك الله
ولا تضيق على زوجتك فأنا أصبر عليك متى يأتي عندك دراهم فاضلةٌ عن مصروفك فأخذ
الكنافة والعيش والجبن وانصرف داعياً له وراح إلى البيت مجبور الخاطر وهو يقول:
سبحانك يا ربي ما أكرمك ثم أنه دخل على زوجته فقالت له: هل جئت بالكنافة قال: نعم
ثم وضعها قدامها فنظرت إليها فرأتها بعسل قصبٍ فقالت له: أما قلت لك هاتها بعسل
نحل تعمل على خلاف مرادي وتعملها بعسل قصبٍ فاعتذر إليها وقال لها: أنا ما
اشتريتها إلا مؤجلاً ثمنها فقالت له: هذا كلامٌ باطلٌ أنا ما آكل الكنافة إلا بعسل
نحلٍ وغضبت عليه وضربته بها في وجهه وقالت له: قم يا معرص هات لي غيرها ولكمته في
صدغه فقلعت سنةً من أسنانه ونزل الدم
على صدره ومن شدة الغيظ ضربها ضربةً واحدةً لطيفةً على رأسها فقبضت على لحيته
وصارت تصيح وتقول: يا مسلمين فدخل الجيران وخلصوا لحيته من يدها فأموا عليها اللوم
وعيبوها وقالوا: نحن كلنا نأكل الكنافة التي بعسل القصب ما هذا التجبر على هذا
الرجل الفقير أن هذا عيبٌ عليك وما زالوا يلاطفونها حتى أصلحوا بينها وبينه ولكنها
بعد ذهاب الناس حلفت ما تأكل من الكنافة شيئاً فأحرقه الجوع فقال في نفسه هي حلفت
ما تأكل فأنا آكل ثم أكل. فلما رأته يأكل صارت تقول له: أن شاء الله يكون أكلها
سماً يهري بدن البعيد فقال لها: ما هو بكلامك وصار يأكل ويضحك ويقول: أنت حلفت ما
تأكلين من هذه فالله كريم فأن شاء الله في ليلة الغد أجيء لك بكنافةٍ تكون بعسل
نحلٍ وتأكلينها وحدك وصار يأخذ بخاطرها وهي تدعوا عليه ولم تزل تسبه وتشتمه إلى
الصبح فلما أصبح الصباح شمرت عن ساعدها لضربه فقال لها: أمهليني وأنا أجيء إليك
بغيرها. ثم خرج إلى المسجد وصلى وتوجه إلى الدكان وفتحها وجلس فلم يستقر به الجلوس
حتى جاءه اثنان من طرف القاضي وقالا له: قم كلم القاضي فأن امرأتك شكتك إليه
وصفتها كذا وكذا فعرفها وقال: الله تعالى ينكد عليها ثم قام ومشى معهما إلى أن دخل
على القاضي فرأى زوجته رابطةً ذراعها وبرقعها ملوثٌ بالدم وهي واقفةٌ تبكي وتمسح
دموعها فقال له القاضي: يا رجل ألم تخف من الله كيف تضرب هذه الحرمة وتكسر ذراعها
وتقلع سنها وتفعل بها هذه الفعال فقال له: أن كنت ضربتها أو قلعت سنها فأحكم في
بما تختار وإنما القصة كذا وكذا والجيران أصلحوا بيني وبينها وأخبره بالقصة من
الأول إلى الأخر وكان ذلك القاضي من أهل الخير فأخرج له ربع دينارٍ وقال له: يا
رجل خذ هذا وأعمل لها به كنافة بعسل نحل واصطلح أنت وإياها فقال له: أعطه لها
فأخذته وأصلح بينهما وقال: يا حرمة أطيعي زوجك وأنت يا رجل ترفق بها وخرجا مصطلحين
على يد القاضي وذهبت المرأة من طريق وزوجها من طريقٍ آخرٍ إلى دكانه وجلس وإذا
بالرسل أتوا له وقالوا: هات خدمتنا فقال لهم: أن القاضي لم يأخذ مني شيئاً بل
أعطاني ربع دينار فقالوا: لا علاقة لنا بكون القاضي أعطاك أو أخذ منك فأن لم تعطنا
خدمتنا أخذناها قهرا عنك وصاروا يجرونه في السوق فباع عدته وأعطاهم نصف دينارٍ
ورجعوا عنه ووضع يده على خده وقعد حزينا حيث لم يكن عنده عدة يشتغل بها. فبينما هو
قاعدٌ وإذا برجلين قبيحي المنظر أقبلا عليه وقالا له: قم يا رجل كلم القاضي فأن
زوجتك شكتك إليه فقال لهما: قد أصلح بيني وبينهما فقالا له: نحن من عند قاض آخر
فأن زوجتك اشتكتك إلى قاضينا فقام معهما وهو يحسب عليها فلما رآها قال لها: ما
اصطلحنا يا بنت الحلال فقالت: ما بقي بيني وبينك صلح فتقدم وحكى للقاضي حكايته
وقال: أن القاضي فلانا أصلح بيننا في هذه الساعة فقال لها القاضي: يا عاهرة حيث
اصطلحتما لماذا جئت تشتكين إلي قالت: أنه ضربني بعد ذلك فقال لهما القاضي: اصطلحا
ولا تعد إلى ضربها وهي لا تعود إلى مخالفتك وتوجه إلى الدكان وفتحها وقعد فيها وهو
مثل السكران من الهم الذي أصابه فبينما هو قاعدٌ وإذا برجلٍ أقبل عليه وقال له: يا
معروف قم واستخف فأن زوجتك اشتكتك إلى الباب العالي ونازلٌ عليك أبو طبق فقام وقفل
الدكان وهرب في وجهة باب النصر وكن قد بقي معه خمسة أنصاف فضة من حق القوالب
والعدة فاشتري بأربعة أنصافٍ عيشاً وبنصفٍ جبناً وهرب منها وكان ذلك في فصل الشتاء
وقت العصر فلما خرج بين الكيمان نزل عليه المطر مثل أفواه القرب فابتلت ثيابه فدخل
العادلية فرأى موضعاً خرباً فيه حاصلٌ مهجورٌ من غير بابٍ فدخل يستكن فيه من المطر
وحوائجه مبتلةٌ بالماء فنزلت الدموع من أجفانه وصار يتضجر مما به ويقول: أين أهرب
من هذه العاهرة أسألك يا رب أن تقيض لي من يوصلني إلى بلادٍ بعيدةٍ لا تعرف طريقي
فيها. فبينما هو جالس يبكي وإذا بالحائط قد انشقت وخرج منها شخصٌ طويل القامة
رؤيته تقشعر منها الأأبدان وقال له: يا رجل ما لك أقلقتني في هذا الليل أنا ساكنٌ
في هذا المكان منذ مائتي عامٍ فما رأيت أحداً دخل هذا المكان وعمل مثل ما عملت أنت
أخبرني بمقصودك وأنا أقضي حاجتك فأن قلبي أخذته الشفقة عليك فقال له: من أنت وما
تكون فقال له: أنا عامر هذا المكان فأخبره بجميع ما جرى له مع زوجته فقال له:
أتريد أن أوصلك إلى بلادٍ لا تعرف لك زوجتك فيها طريقاً قال: نعم قال له: أركب فوق
ظهري فركب وحمله وطار به من بعد وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وفي
الليلة الرابعة والثمانين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن معروفاً
الإسكافي لما حمله المارد وطار به وأنزله على جبلٍ عالٍ وقال: يا انسي انحدر من
فوق هذا الجبل ترى عتبة مدينة فأدخلها فأن زوجتك لا تعرف لك طريقاً ولا يمكنها أن
تصل إليك ثم تركه وذهب فصار معروف باهتاً متحيراً في نفسه إلى أن طلعت الشمس فقال
في نفسه: أقوم وأنزل من أعلى هذا الجبل إلى المدينة فأن قعودي هنا ليس فيه فائدةٌ
فنزل إلى أسفل الجبل فرأى مدينةً بأسوارٍ عاليةٍ وقصورٍ مشيدةٍ وأبنيةٍ مزخرفةٍ
وهي نزهةٌ للناظرين فدخل من باب المدينة فرآها تشرح القلب الحزين فلما مشى في
السوق صار أهل المدينة ينظرون إليه ويتفرجون عليه واجتمعوا عليه وصاروا يتعجبون من
ملبسه لأن ملبسه لا يشبه ملابسهم فقال له رجلٌ من أهل المدينة: أنت غريبٌ قال: نعم
قال له: من أي مدينةٍ قال: من مدينة مصر السعيدة قال: ألك زمان مفارقها قال له:
البارحة العصر فضحك عليه وقال: يا ناس تعالوا انظروا هذا الرجل واسمعوا ما يقول:
فقالوا: ما يقول قال: أنه يزعم أنه من مصر وخرج منها البارحة العصر فضحكوا كلهم
واجتمع عليه الناس وقالوا: يا رجل أأنت مجنون حتى تقول هذا الكلام كيف تزعم أنك
فارقت مصر بالأمس في وقت العصر وأصبحت هنا والحال أن بين مدينتنا وبين مصر مسافة
سنةٍ كاملةٍ فقال لهم: ما مجنونٌ إلا أنتم وأما أنا فأني صادقٌ في قولي وهذا عيش
مصر لم يزل معي طرياً وأراهم العيش فصاروا يتفرجون عليه ويتعجبون منه لأنه لا يشبه
عيش بلادهم وكثرت الخلائق عليه وصاروا يقولون لبعضهم: هذا عيش مصر تفرجوا عليه
وصارت له شهرةٌ في تلك المدينة ومنهم ناسٌ يصدقون وناس يكذبون ويهزأون به. فبينما
هم في تلك الحالة وإذا بتاجرٍ أقبل عليهم وهو راكبٌ بغلةُ وخلفه عبدان ففرق الناس
وقال: يا ناس أما تستحون وأنتم ملتمون على هذا الرجل الغريب وتسخرون منه وتضحكون
عليه ما علاقتكم به ولم يزل يسبهم حتى طردهم منه ولم يقدر أحدٌ أن يرد عليه جواباً
وقال له: تعال يا أخي ما عليك بأسٌ من هؤلاء الناس أنهم لا حياء عندهم ثم أخذه
وسار به إلى أن أدخله داراً واسعةً مزخرفةً وأجلسه في مقعد ملوكي وأمر العبيد
ففتحوا له صندوقاً وأخرجوا له بدلة تاجرٍ ألفي وألبسه إياها وكان معروف وجيهاً فصار كأنه شاه
بندر التجار ثم أن ذلك التاجر طلب السفرة فوضعوا قدامهما سفرة فيها جميع الأطعمة
الفاخرة من سائر الألوان فأكلا وشربا وبعد ذلك قال له: يا أخي ما اسمك قال: اسمي
معروف وصنعتي إسكافي أرقع الزرابين القديمة قال له: من أي البلاد أنت قال: من مصر
قال: من أي الحارات قال له: هل أنت تعرف مصر قال له: أنا من أولادها فقال له: أنا
من الدرب الأحمر قال: من تعرف من الدرب الأحمر وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن
الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والثمانين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن الرجل سأل معروف الإسكافي وقال له: من الدرب الأحمر قال له:
فلاناً وفلاناً وعد له ناساً كثيرين قال له: هل تعرف الشيخ أحمد العطار قال: هو
جاري الحيط في الحيط قال له: هل هو طيبٌ قال: نعم. قال: كم له من الأولاد قال:
ثلاثةٌ: مصطفى ومحمد وعلي قال له: ما فعل الله بأولاده قال: أما مصطفى فأنه طيبٌ
وهو عالمٌ مدرسٌ وأما محمد فأنه عطارٌ وقد فتح له دكانا بجنب دكان أبيه بعد أن تزوج
وولدت زوجته ولداً اسمه حسن قال: بشرك الله بالخير. قال: وأما علي فأنه كان رفيقي
ونحن صغار وكنت دائماً ألعب أنا وإياه وبقينا نروح بصفة أولاد النصارى وندخل
الكنيسة ونسرق كتب النصارى ونبيعها ونشتري بثمنها نفقة فاتفق في بعض المرات أن
النصارى رأونا وأمسكونا بكتاب فاشتكونا إلى أهلنا وقالوا لأبيه: إذا لم تمنع ولدك
من آذانا شكوناك إلى الملك فأخذ بخاطرهم وضربه علقة فلهذا السبب هرب من ذلك الوقت
ولم يعرف له طريقاً وهو غائبٌ له عشرون سنةً ولم يخبر عنه أحدٌ بخبر فقال له: هو
أنا علي ابن الشيخ أحمد العطار وأنت رفيقي يا معروف وسلما على بعضهما وبعد السلام
قال: يا معروف أخبرني بسبب مجيئك من مصر إلى هذه المدينة فأخبره بخبر زوجته فاطمة
العرة وما فعلت معه وقال له: أنه لما اشتد علي أذاها هربت منها في جهة باب النصر
ونزل علي المطر فدخلت في حاصل خراب في العادلية وقعدت أبكي فخرج لي عامر المكان
وهو عفريتٌ من الجن وسألني فأخبرته بحالي فأركبني على ظهره وطار بي طول الليل بين
السماء والأرض ثم حطني على الجبل وأخبرني بالمدينة فنزلت من الجبل ودخلت المدينة
والتم علي الناس وسألوني فقلت لهم أني طلعت البارحة من مصر فلم يصدقوني فجئت أنت
ومنعت عني الناس وجئت بي إلى هذا الدار وهذا سبب خروجي من مصر وأنت ما سبب مجيئك
هنا قال له: غلب علي الطيش وعمري سبع سنين فمن ذلك الوقت وأنا دائر من بلدٍ إلى
بلدٍ ومن مدينةٍ إلى مدينةٍ حتى دخلت هذه المدينة واسمها اختيان الختن فرأيت أهلها
ناساً كراماً وعندهم الشفقة ورأيتهم يأتمنون الفقير ويداينونه وكل ما قاله يصدقونه
فقلت لهم: أنا تاجر وقد سبقت الحملة ومرادي ثم أني قلت لهم: هل فيكم من يداينني
ألف دينارٍ حتى تجيء حملتي أرد له ما آخذه منه فأني محتاجٌ إلى بعض مصالح قبل دخول
الحملة فأعطوني ما أردت وتوجهت إلى سوق التجار فرأيت شيئاً من البضاعة فاشتريته
وفي ثاني يوم بعته فربحت فيه خمسين ديناراً واشتريت غيره وصرت أعاشر الناس وأكرمهم
فأحبوني وصرت أبيع واشتري فكثر مالي وأعلم يا أخي أن صاحب المثل يقول: الدنيا فشر
وحيلة والبلاد التي لا يعرفك فيها أحدٌ مهما شئت فافعل فيها وأنت إذا قلت لكل من
سألك أنا صنعتي إسكافي وفقير وهربت من زوجتي والبارحة طلعت من مصر فلا يصدقونك
وتصير عندهم مسخرةً مدة أقامتك في هذه المدينة وأن قلت: حملني عفريت نفروا منك ولا
يقرب منك أحدٌ ويقولون: هذا رجلٌ معفرتٌ وكل من يقرب منه يحصل له ضربٌ وتبقى هذه
الإشاعة قبيحةٌ في حقي وحقك لكونهم يعرفون أني من مصر. قال: وكيف أصنع قال: أنا
أعلمك كيف تصنع أن شاء الله تعالى أعطيك في الغد ألف دينارٍ وبغلةً تركبها وعبداً
يمشي قدامك حتى يوصلك إلى باب سوق التجار فأدخل عليهم وأكون أنا قاعداً بين التجار
فمتى رأيتك أقوم لك وأسلم عليك وأقبل يدك وأعظم قدرك وكلما سألتك عن صنع من القماش
وقلت لك: هل جئت معك بشيء من الصنف الفلاني فقل: كثيرٌ وأن سألوني عنك أشكرك
وأعظمك في أعينهم ثم أني أقول لهم: خذوا له حاصلاً ودكاناً وأصفك بكثرة المال
والكرم وإذا أتاك سائلٌ فأعطه ما تيسر فيثقون بكلامي ويعتقدون عظمتك وكرمك ويحبونك
وبعد ذلك أعزمك وأعزم جميع التجار من شأنك وأجمع بينك وبينهم حتى يعرفك جميعهم
وتعرفهم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والثمانين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن التاجر علياً قال لمعروفٍ: أعزمك وأعزم جميع التجار من شأنك
وأجمع بينك وبينهم حتى يعرفك جميعهم وتعرفهم لأجل أن تبيع وتشتري وتأخذ وتعطي معهم
فما تمضي عليك مدةً حتى تصير صاحب مالٍ فلما أصبح الصباح أعطاه ألف دينارٍ وألبسه
بدلةً وأركبه بغلةً وأعطاه عبداً وقال: أجأبرأ الله ذمتك من الجميع لأنك رفيقي
فواجبٌ علي إكرامك ولا تحمل هماً ودع عنك سيرة زوجتك ولا تذكرها لأحدٍ فقال له:
جزاك الله خيرا. ثم أنه ركب البغلة ومشى قدامه العبد إلى أن أوصله إلى باب سوق
التجار وكانوا جميعاً قاعدين والتاجر كان قاعداً بينهم فلما رآه قام ورمى روحه
عليه وقال له: نهارك مبارك يا تاجر معروف فسلموا عليه وصار يشير لهم بتعظيمه فعظم
في أعينهم ثم أنزله من فوق ظهر البغلة وسلموا عليه وصار يختلي بواحدٍ بعد واحدٍ
منهم ويشكره عنده فقالوا له: هل هذا تاجرٌ فقال لهم: نعم بل هو أكبر التجار ولا
يوجد واحدٌ أكثر مالاً منه لأن أمواله وأموال أبيه وأجداده مشهورةٌ عند تجار مصر
وله شركاءٌ في الهند والسند واليمن وهو في الكرم على قدرٍ عظيمٍ فأعرفوا قدره
وارفعوا مقامه واخدموه واعلموا أن مجيئة إلى هذه المدينة ليس من أجل التجارة وما
مقصده إلا الفرجة على بلاد الناس لأنه محتاجٌ إلى التغريب من أجل الربح والمكاسب
لأن عنده أموالاً لا تأكلها النيران وأنا من بعض خدمه ولم يزل يشكره حتى جعلوه فوق رؤوسهم
وصاروا يخبرون بعضهم بصفاته ثم اجتمعوا عنده وصاروا يهادونه بالفطورات والشربات
حتى شاه بندر التجار أتى له وسلم عليه وصار يقول له التاجر علي بحضرة التجار: يا
سيدي لعلك جئت معك بشيء من القماش الفلاني فيقول له: كثير وكان في ذلك اليوم فرجة
على أصناف القماش المثمنة وعرفه أسامي الأقمشة الغالي والرخيص فقال له تاجرٌ من
التجار: يا سيدي هل جئت معك بجوخٍ أصفرٍ قال: كثيرٌ قال: وأحمر دم غزال قال: كثيرٌ
وصار كلما سأله عن شيءٍ يقول له: كثيرٌ. فعند ذلك قال: يا تاجر علي أن ابن بلدك لو
أراد أن يحمل ألف حمل من القماشات المثمنة يحملها فقال له يحملها من حاصلٍ من جملة
حواصله ولا ينقص منه شيءٌ فبينما هما قاعدون وإذا برجلٍ سائلٍ دارٍ على التجار
فمنهم من أعطاه نصف فضة ومنهم من أعطاه جديد وغالبهم لم يعطه شيئاً حتى وصل إلى
معروف فكبش له كبشة ذهبٍ وأعطاه إياها فدعا له وذهب فتعجب التجار منه وقالوا: أن
هذه عطايا ملوكٍ فأنه أعطى السائل ذهباً من غير عددٍ ولولا أنه من أصحاب النعم
الجزيلة وعنده شيءٌ كثيرٌ ما كان أعطى السائل كبشة ذهبٍ وبعد حصةٍ أتته امرأة
فقيرةٌ فكبش وأعطاها وذهبت تدعو له وحكت للفقراء فأقبلوا عليه وصار كل من أتى له
يكبش له ويعطيه حتى أنفق الألف دينارٍ وبعد ذلك ضرب كفاً على كف وقال: حسبنا الله
ونعم الوكيل فقال له شاه بندر التجار: ما لك يا تاجر معروف قال: كأن أهل هذه
المدينة فقراءٌ ومساكينٌ ولو كنت أعرف أنهم كذلك كنت جئت معي في الخراج بجانب من
المال وأحسن به إلى الفقراء وأنا خائفٌ أن تطول غربتي ومن طبعي أني لا أرد السائل
وما بقي معي ذهباً فإذا أتاني فقيرٌ ماذا أقول له قال له: الله يرزقك قال: ما هي
عادتي وقد ركبني الهم بهذا السبب وكان مرادي ألف دينارٍ أتصدق بها حتى تجيء حملتي.
فقال: لا بأس وأرسل بعض أتباعه فجاء له بألف دينارٍ فأعطاه إياها فصار يعطي كل من
مر به من الفقراء حتى أذن الظهر فدخلوا الجامع وصلوا الظهر والذي بقي معه من الألف
دينارٍ نثره على رؤوس المصلين فانتبه له الناس ثم أنه مال على تاجر آخر وأخذ منه
ألف دينار وفرقها فما قفلوا باب السوق حتى أخذ خمسة آلاف دينارٍ وفرقها وكل من أخذ
منه شيئاً يقول له: حتى تجيء الحملة وعند المساء عزموه التجار وعزم معه التجار
جميعاً وأجلسوه في الصدر وصار لا يتكلم إلا بالقماشات والجواهر وكلما ذكروا له شيئاً
يقول: عندي منه كثيرٌ وثاني يومٍ توجه إلى السوق وصار يميل على التجار ويأخذ منهم
النقود ويفرقها على الفقراء ولم يزل على هذه الحالة مدة عشرين يوماً حتى أخذ من
الناس ستين ألف ولم تأته حملةً ولا كبةً حاميةً فضجت الناس على أموالهم وقالوا: ما
أتت حملة التاجر معروف وإلى متى وهو يأخذ أموال الناس ويعطيها للفقراء. فقال واحدٌ
منهم: الرأي أن نتكلم مع ابن بلديته التاجر علي فأتوه وقالوا له: يا تاجر علي أن
حملة التاجر معروف لم تأت فقال لهم: اصبروا فأنها لا بد أن تأتي عن قريبٍ ثم أنه
اختلى به وقال له: يا معروف ما هذي الفعال هل أنا قلت لك قمر الخبز أو أحرقه أن
التجار ضجوا على أموالهم وأخبروني أنه صار عليك ستون ألف دينار أخذتها وفرقتها على
الفقراء ومن أين تسدد دين الناس وأنت لا تبيع ولا تشتري فقال له: أي شيء يجري وما
مقدار الستين ألف دينارٍ لما تجيء الحملة أعطيهم أن شاؤوا قماشاً وأن شاؤوا ذهباً
وفضةً فقال له التاجر علي: وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والثمانين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن التاجر علي قال: الله أكبر وهل أنت لك حملةٌ قال: كثير قال
له: الله عليك وعلى سماجتك أهل أنا علمتك هذا الكلام حتى تقوله لي فأنا أخبر الناس
بك قال: رح بلا كثرة كلامٍ هل أنا فقيرٌ أن حملتي فيها شيءٌ فإذا جاءت يأخذون
متاعهم المثل مثلين أنا غير محتاجٍ إليهم فعند ذلك اغتاظ التاجر علي وقال له: يا
قليل الأدب لا بد أن أريك كيف تكذب علي ولا تستحي فقال له: الذي يخرج من يدك أفعله
ويصبرون حتى تجيء حملتي ويأخذون متاعهم بزيادة فتركه ومضى وقال في نفسه: أنا شكرته
سابقاً وأن دعمته الآن صرت كاذباً وأخل في قول من قال: من شكر وذم كذب مرتين وصار
متحيراً في أمره ثم أن التجار أتوه وقالوا: يا تاجر علي هل كلمته قال لهم: يا ناس
أنا استحي منه ولي عنده ألف دينارٍ ولم أقدر أن أكلمه عليها وأنتم لما أعطيتموه ما
شاورتموني وليس لكم علي كلامٌ فطالبوه منكم له وأن لم يعطكم فاشكوه إلى ملك
المدينة وقولوا له: أنه نصاب نصب علينا فأن الملك يخلصكم منه فتوجهوا للملك
وأخبروه بما وقع وقالوا: يا ملك الزمان أننا تحيرنا في أمرنا مع هذا التاجر الذي
كرمه زائدٌ فأنه يفعل كذا وكذا وكل شيءٍ أخذه يفرقه على الفقراء بالكمشة فلو كان
مقلا ما كانت تسمح نفسه أن يكبش الذهب ويعطيه للفقراء ولو كان من أصحاب النعم كان
صدقه ظهر لنا بمجيء حملته ونحن لا نرى له حملةً مع أنه يدعي أن له حملةً وقد سبقها
وكلما ذكرنا له صنفا من أصناف القماش يقول: عندي منه كثير وقد مضت مدةً ولم يبن عن
حملته خبرٌ وقد صار لنا عنده ستون ألف دينارٍ وكل ذلك فرقه على الفقراء وصاروا
يشكرونه ويمدحون كرمه. وكان ذلك الملك طماعاً أطمع من الشعب فلما سمع بكرمه وسخائه
غلب عليه الطمع وقال لوزيره: لو لم يكن هذا التاجر عنده أموالٌ كثيرةٌ ما كان يقع
منه هذا الكلام كله ولا بد أن تأتي حملته ويجتمع هؤلاء التجار عنده ويفرق عليهم
أموالاً كثيرةً فأنا أحق منهم بهذا المال فمرادي أن أعاشره وأتودد إليه حتى تأتي حملته
والذي يأخذه منه هؤلاء التجار آخذه أنا وأزوجه ابنتي وأضم ماله إلى مالي فقال له
الوزير: يا ملك الزمان ما أظنه إلا نصاباً والنصاب قد أخرب بيت الطماع. وأدرك
شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن الوزير لما قال للملك: ما أظنه إلا نصاباً والنصاب قد أخرب
بيت الطماع قال له الملك: يا وزير
أنا أمتحنه وأعرف هل هو نصابٌ أو صادقٌ فأنا أبعث إليه وأحضره عندي وإذا جلس أكرمه
وأعطيه الجوهرة فأن عرفها أو عرف ثمنها يكون صاحب خيرٍ ونعمٍ وأن لم يعرفها فهو
نصاب محدث فاقتله أقبح قتلةٍ. ثم أن الملك أرسل إليه وأحضره فلما دخل عليه سلم
عليه فرد عليه السلام وأجلسه إلى جانبه وقال له: هل أنت التاجر معروف قال: نعم قال
له: أن التجار يزعمون أن لهم عندك ستين ألف دينارٍ فهل ما يقولونه حق قال: نعم قال
له: لم تعطهم أموالهم قال: يصبرون حتى تجيء حملتي وأعطيهم المثل مثلين وأن أرادوا
ذهباً أعطيهم وأن أرادوا فضةً أعطيهم وأن أرادوا بضاعةً أعطيهم والذي له ألفٌ
أعطيه ألفين في نظير ما استر به وجهي مع الفقراء عندي شيئاً كثيراً ثم أن الملك
قال: يا تاجر خذ هذه وانظر ما جنسها وما قيمتها وأعطاه جوهرةً قدر البندقية كان
الملك اشتراها بألف دينارٍ ولم يكن عنده غيرها وكان مستعزاً بها فأخذها معروف بيده
وفرك عليها بالإبهام والشاهد فكسرها لأن الجوهرة رقيقةٌ لا تتحمل فقال له الملك:
لأي شيء كسرت الجوهرة فضحك وقال: يا ملك الزمان ما هذه جوهرةٌ هذه قطعة معدن تساوي
ألف دينار كيف تقول عليها أنها جوهرة إن الجوهرة يكون ثمنها سبعين ألف دينارٍ
وإنما يقال على هذه قطعة معدن والجوهرة ما لم تكن قدر الجوزة لا قيمة لها عندي ولا
أعتني بها كيف تكون ملكاً وتقول على هذه جوهرةٌ وهي قطعة معدنٍ قيمتها ألف دينارٍ
ولكن أنتم معذورون لكونكم فقراء وليس عندكم ذخائر لها قيمتها فقال له الملك: يا
تاجر هل عندك جواهرٌ من الذي تخبرني به قال: كثيرٌ فغلب الطمع على الملك فقال له:
هل تعطيني جواهر صحاحاً قال له: حتى تجيء الحملة أعطيك كثيراً ومهما طلبته فعندي
منه كثيرٌ وأعطيك من غير ثمن فخرج الملك وقال للتجار: اذهبوا إلى حال سبيلكم
واصبروا عليه حتى تجيء الحملة ثم تعالوا خذوا مالكم مني وراحوا. هذا ما كان من أمر
معروف والتجار. وأما ما كان من أمر الملك فأنه أقبل على الوزير وقال له: لاطف
التاجر معروفاً وخذ وأعط معه في الكلام وأذكر له ابنتي حتى يتزوج بها ونغتنم هذه
الخيرات التي عنده فقال الوزير: يا ملك الزمان أن حال هذا الرجل لم يعجبني وأظن
أنه نصابٌ وكذابٌ فأترك هذا الكلام لئلا تضيع ابنتك بلا شيء وكان الوزير سابقاً
سبق على الملك أن يزوجه البنت وأراد زواجها له فلما بلغها ذلك لم ترض ثم أن الملك
قال له: يا خائن أنت لا تريد لي خير لكونك خطبت بنتي سابقاً ولم ترض أن تتزوج بك
فصرت الآن تقطع طريق زواجها ومرادك أن بنتي تبور حتى تأخذها أنت فأسمع مني هذه
الكلمة ليس لك علاقة بهذا الكلام كيف يكون نصاباً أو كذاباً مع أنه عرف ثمن
الجوهرة مثل ما اشتريتها به وكسرها لكونها لم تعجبه وعنده جواهر كثيرةً فمتى دخل
على ابنتي يراها جميلة فتأخذ عقله ويحبها ويعطيها جواهر وذخائر وأنت مرادك أن تحرم
ابنتي وتحرمني من هذه الخيرات فسكت الوزير وخاف من غضب الملك عليه وقال في نفسه:
أغر الكلام على البقر ثم ميل على التاجر معروف وقال له: أن حضرة الملك أحبك وله
بنت ذات حسن وجمال يريد أن يزوجها لك فما تقول فقال: لا بأس ولكن يصبر حتى تجيء
حملتي فأن مهر بنات الملوك واسعٌ ومقامهن أن لا يمهرن إلا بمهر يناسب حالهن وفي
هذه الساعة ما عندي مال فليصبر علي حتى تجيء حملتي فالخير عندي كثير ولا بد أن
ادفع صداقها خمسة آلاف كيسٍ وأحتاج إلى ألف كيسٍ أفرقها على الفقراء والمساكين
ليلة الدخلة وألف كيسٍ أعطيها للذين يمشون في الزفة وألف كيسٍ أعمل بها الأطعمة
للعساكر وغيرهم وأحتاج إلى مائة جوهرة فأعطيها للملكة صبيحة العرس ومائة جوهرة
أفرقها على الجواري والخدم فأعطي كل واحدةٍ جوهرةً تعظيماً لمقام العروسة وأحتاج
إلى أن أكسوا ألف عريانٍ من الفقراء ولا بد من صدقاتٍ وهذا شيء لا يمكن إلا إذا
جاءت الحملة فأن عندي شيئاً كثيراً وإذا جاءت الحملة لا أبالي بهذا المصروف كله.
فراح الوزير وأخبر الملك بما قاله فقال الملك: حيث كان مراده ذلك كيف تقول عنه أنه
نصابٌ كذابٌ قال الوزير: ولم أزل أقول ذلك ففزع فيه الملك ووبخه وقال له: وحياة
رأسي أن لم تترك هذا الكلام لقتلتك فأرجع إليه وهاته عندي وأنا مني له أصطفي فذهب
إليه الوزير وقال له: تعال كلم الملك فقال سمعاً وطاعةً ثم جاء إليه فقال له
الملك: لا تعتذر بهذه الأعذار فأن خزنتي ملآنةً فخذ المفاتيح عندك وانفق جميع ما
تحتاج إليه وأعط ما تشاء واكس الفقراء وافعل ما تريد وما عليك من البنت والجواري
وإذا جاءت حملتك فأعمل مع زوجتك ما تشاء من الإكرام ونحن نصبر عليك بصداقها حتى
تجيء الحملة وليس بيني وبينك فرقٌ أبداً ثم أمر شيخ الإسلام أن يكتب الكتاب فكتب
كتاب البنت على التاجر معروف وشرع في عمل الفرح وأمر بزينة البلد ودقت الطبول ومدت
الأطعمة من سائر الألوان وأقبلت أرباب الملاعب وصار التاجر معروف يجلس على كرسي في
مقعدٍ وتأتي قدامه أرباب الملاعب والشطار والجنك وأرباب الحركات الغريبة والملاهي
العجيبة وصار يأمر الخازندار ويقول له: هات الذهب والفضة فيأتيه بالذهب والفضة
وصار يدور على المتفرجين ويعطي كل من لعب بالكبشة ويحسن للفقراء والمساكين ويكسوا
العريانين وصار فرحاً عجاجاً وما بقي الخازندار يلحق أن يجيء بالأموال من الخزنة
وكاد قلب الوزير أن ينفقع من الغيظ ولم يقدر أن يتكلم وصار التاجر علي يتعجب من
بذل هذه الأموال ويقول للتاجر معروف: الله والرجال على صدغك أما كفاك أن أضعت مال
التجار حتى تضيع مال الملك فقال التاجر معروف: لا علاقة لك وإذا جاءت الحملة أعوض
ذلك على الملك بأضعافه وصار يبذر الأموال ويقول في نفسه: كبةٌ حاميةٌ الذي يجري
علي يجري والمقدر ما منه مفر. ولم يزل الفرح مدة أربعين يوماً وفي ليلة الحادي
والأربعين عملوا الزفة للعروسة ومشى قدامها جميع الأمراء والعساكر ولما دخلوا بها
صار ينثر الذهب على رؤوس الخلائق وعملوا لها زفةً عظيمةً وصرف أموالاً لها مقدر
عظيم وأدخلوه على الملكة فقعد على المرتبة العالية وأرخوا الستائر وقفلوا الأبواب
وخرجوا وتركوه عند العروسة فخبط يداً على يدٍ وقعد حزيناً مدةً وهو يضرب كفاً على
كفٍ ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقالت له الملكة: يا سيدي
سلامتك ما لك مغموماً فقال: كيف لا أكون مغموماً وأبوك قد شوش علي وعمل معي عملةً
مثل حرق الزرع الأخضر قالت: وما عمل معك أبي قل لي قال: أدخلني عليك قبل أن تأتي
حملتي وكان مرادي أقل ما يكون مائة جوهرةٍ أفرقها على جواريك لكل واحدةٍ منهن
جوهرةٌ تفرح بها وتقول: أن سيدي أعطاني جوهرة في ليلة دخلته على سيدتي وهذه الخصلة
كانت تعظيماً لمقامٍ وزيادةٍ في شرفك فأني لا أقصر في بذل الجواهر لأن عندي منها
كثيراً فقالت: لا تهتم بذلك ولا تغم نفسك بهذا السبب أما أنا فما عليك مني إلا
أني أصبر عليك حتى تجيء الحملة وأما الجواري فما عليك منهن قم أقلع ثيابك وأعمل
انبساطا ومتى جاءت الحملة فأننا فقام وقلع ما كان عليه من الثياب وجلس على الفراش
وطلب النغاش ووقع الهراش وحط يده على ركبتها فجلست هي في حجرةٍ وألقمته شفتها في
فمه وصارت هذه الساعة تنسي الإنسان أبوه وأمه فحضنها وضمها إليه وعصرها في حضنه
وضمها إلى صدره ومص شفتيها حتى سأل العسل من فمها ووضع يده تحت إبطها الشمال فحنت
أعضاؤه وأعضاءها للوصال ولكزها بين النهدين فراحت يده بين الفخدين وتحزم بالساقين
ومارس العملين ونادى يا أبا اللثامين وحط الدخير وأشعل الفتيل وحرر على بيت الإبرة
وأشعل النار فخسف البرج من الأربعة أركان وحصلت النكتة التي لا يسأل عنها إنسان
وزعقت الزعقة التي لا بد منها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن بنت الملك لما زعقت الزعقة التي لا بد منها أزال التاجر
معروف بكارتها وصارت تلك الليلة لا تعد من الأعمار لاشتمالها على وصل الملاح من
عناقٍ وهراشٍ ومصٍ ورضعٍ إلى الصباح ثم دخل الحمام ولبس بدلةً من ملابس الملوك
وطلع من الحمام ودخل ديوان الملك فقام له من فيه على الأقدام وقابلوه بإعزازٍ
وإكرامٍ وهنأوه وباركوا له وجلس بجانب الملك وقال: أين الخازندار فقالوا: ها هو
حاضر بين يديك فقال: هات الخلع وألبس جميع الوزراء والأمراء وأرباب المناصب فجاء
له بجميع ما طلب وجلس يعطي كل من أتى له ويهب لكل إنسانٍ على قدر مقامه واستمر على
هذه الحالة مدة عشرين يوماً ولم يظهر له حملةً ولا غيرها. ثم أن الخازندار تضايق
منه غاية الضيق ودخل على الملك في غياب معروفٍ وكان الملك جالساً هو والوزير لا
غير وقبل الأرض بين يديه وقال: يا ملك الزمان أنا أعلمك شيءٌ ربما تلومني على عدم
الأخبار به: أعلم أن الخزنة فرغت ولم يبق فيها شيء من المال إلا القليل وبعد عشرة
أيامٍ نقفلها على الفارغ. فقال الملك: يا وزير أن حملة نسيبي تأخرت ولم يبن عنها
علمٌ فضحك الوزير وقال له: الله يلطف بك يا ملك الزمان ما أنت إلا مغفلٌ عن فعل
هذا النصاب الكذاب وحياة رأسك أنه لا حملةً له ولا كبةً تريحنا منه وإنما هو ما
زال ينصب عليك حتى أتلف أموالك وتزوج بنتك بلا شيء وإلى متى وأنت غافل عن هذا
الكذاب فقال له الملك: يا وزير كيف العمل حتى نعرف حقيقة حاله فقال له: يا ملك
الزمان لا يطلع على سر الرجل إلا زوجته فأرسل إلي بنتك لتأتي خلف الستارة حتى
أسألها عن حقيقة ثم أنه أخذ الوزير ودخل إلى قاعة الجلوس وأرسل إلى ابنته فأتت
وراء الستارة وكان ذلك في غياب زوجها فلما أتت قالت: يا أبي ماذا تريد قال: كلمي
الوزير قالت: أيها الوزير ما بالك قال: يا سيدي أعلمي أن زوجك أتلف مال أبيك وقد
تزوج بك بلا مهرٍ وهو لم يزل يعدنا ويخلف الميعاد ولم يبن لحملته علم بالجملة نريد
أن تخبرينا عنه فقالت: أن كلامه كثير وهو في كل وقتٍ يجيء ويعدني بالجواهر والحلي
والذخائر والقماشات المثمنة ولم أر شيئاً فقال: يا سيدتي هل تقدرين في هذه الليلة
أن تأخذي وتعطي معه في الكلام وتقولي له: أفيدني بالصحيح ولا تخف من شيءٍ فأنك صرت
زوجي ولا أفرط فيك بحقيقة الأمر وأنا أدبر لك تدبيراً ترتاح به ثم قربي وبعدي له
في الكلام وأريه المحبة وقرريه ثم بعد ذلك أفيدينا بحقيقة أمره فقالت: يا أبت أنا
أعرف كيف أختبره. ثم أنها دخلت وبعد العشاء حضر عليها زوجها معروف على جري عادته
فقامت له وتناولته من تحت إبطه وخادعته خداعاً زائداً وناهيك بمخادعة النساء إذا
كان لهن عند الرجال حاجةٌ يردن قضاءها وما زالت تخادعه وتلاطفه بكلامٍ أحلى من
العسل حتى سرقت عقله. فلما رأته مال إليها بكليته قالت له: يا حبيبي يا قرة عيني
ويا ثمرة فؤادي لا أوحشني الله منك ولا فرق الزمان بيني وبينك فأن محبتك سكنت
فؤادي ونار غرامك أحرقت كبدي وليس فيك تفريطٌ أبداً ولكن مرادي أن تخبرني بالصحيح
لأن حبل الكذب غير نافعةٍ ولا تنطلي في كل الأوقات وإلى متى وأنت تنصب وتكذب على
أبي وأنا خائفةٌ أن يفتضح أمرك عنده قبل أن تدبر له حيلةً فيبطش بك فأفدني بالصحيح
وما بك إلا ما يسرك ومتى أعلمتني بحقيقة الأمر لا تخشى من شيء يضرك فكم تدعي أنك
تاجرٌ وصاحب أموالٍ ولك حملةٌ وقد مضت لك مدةً طويلةً وأنت تقول حملتي حملتي ولم
يبن عن حملتك علمٌ ويلوح على وجهك الهم بهذا السبب فأن كان كلامك ليس له صحةٌ فقل
لي وأنا أدبر لك تدبيراً تخلص به أن شاء الله. فقال لها: يا سيدتي سأخبرك بالصحيح
ومهما أردت فافعلي فقالت له: قل وعليك بالصدق فأن الصدق سفينة النجاة وإياك والكذب
فأنه يفضح صاحبه ولله در من قال: عليك بالصدق ولو أنهأحرقك الصدق بنار الوعيد وأبغ
رضا الله فأغبى الورىمن أسخط المولى وأرضى العبيد فقال: يا سيدتي أعلمي أني لست
تاجراً ولا لي حملةً ولا حاميةً وإنما كنت في بلادي رجلاً إسكافياً ولي زوجة اسمها
فاطمة العره وجرى لي معها كذا وكذا وأخبرها بالحكاية من أولها إلى نهايتها فضحكت
وقالت: أنك ماهرٌ في صناعة الكذب والنصب فقال لها: يا سيدتي الله تعالى يبقيك لستر
العيوب وفك الكروب فقالت: أعلم أنك نصبت على أبي وغررته بكثرة فشرك حتى زوجني بك
من طمعه ثم أتلفت ماله والوزير منكر ذلك عليك وكم مرة يتكلم فيك عند أبي ويقول له:
أنه نصابٌ كذابٌ ولكن أبي لم يطعه فيما يقول. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام
المباح.
وفي الليلة الواحدة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن زوجة معروف قالت له: أن الوزير تكلم فيك عند أبي ويقول له
أنه نصاب كذاب وأبي لم يطعه بسبب أنه كان خطبني لأن يكون لي بعلاً وأكون له أهلاً
ثم أن المدة طالت وقد تضايق أبي وقال لي: قرريه قد قررتك وانكشف المغطى وأبي مصرٌ
لك على الضرر بهذا السبب ولكنك صرت زوجي وأنا لا أفرط فيك فأن أعلمت أبي بهذا
الخبر ثبت عنده أنك نصابٌ وكذابٌ وقد نصبت على بنات الملوك وذهبت بأموالهم فذنبك
عنده لا يغفر ويقتلك بلا محالةٍ ويشيع بين الناس أني تزوجت برجلٍ نصابٍ كذابٍ
وتكون فضيحةٌ في حقي وإذا قتلك أبي ربما يحتاج أن يزوجني إلى آخر وهذا شيءٍ لا
أقبله ولو مت. ولكن قم الآن وألبس بدلةً مملوكٍ وأحمل معك خمسين ألف دينارٍ من
مالي وأركب على جوادٍ وسافر إلى بلاد يكون حكم أبي لا ينفذ فيها وأعمل تاجراً هناك
وأكتب لي كتاباً وأرسله مع ساعٍ يأتيني به لأعلم في أي البلاد أنت حتى أرسل لك كل
ما طالته يدي فأن مات أبي أرسلت إليك فتجيء بإعزازٍ وإكرامٍ وإذا مت أنت أو أنا
إلى رحمة الله تعالى فالقيامة تجمعنا وهذا هو الصواب وما دمت طيبةً وأنت طيبٌ لا
أقطع عنك المراسلة ولا أموال قم قبل أن يطلع النهار عليك وينزل بك الدمار. فقال
لها: يا سيدتي أنا في عرضك أن تودعيني بوصالك فقالت: ولبس بدلة مملوكٍ وأمر السياس
أن يشدوا له جواد من الخيل فشدوا له جواداً ثم ودعها وخرج من المدينة في آخر الليل
فصار كل من رآه يظن أنه مملوكٌ من مماليك السلطان مسافرٌ في قضاء حاجةٍ. فلما أصبح
الصباح جاء أبوها هو والوزير إلى قاعة الجلوس وأرسل إليها فأتت وراء الستارة فقال
لها: يا بنيتي ما تقولين قالت: أقول: سود الله وجه وزيرك فأنه كان مراده أن يسود
وجهي من زوجي قال: وكيف ذلك قالت: أنه دخل علي أمس قبل أن أذكر له هذا الكلام وإذا
بفرج الطواشي جاء إلي وبيده كتابٌ وقال: أن عشرة مماليك واقفون تحت شباك القصر
وأعطوني هذا الكتاب وقالوا لي: قبل لنا أيادي سيدي معروف وأعطه هذا الكتاب فأننا
من مماليكه الذين مع الحملة وقد بلغنا أنه تزوج بنت الملك فأتينا إليه لنخبره بما
حل بنا في الطريق. فأخذت الكتاب وقرأته فرأيت فيه: من المماليك الخمسمائة إلى حضرة
سيدنا التاجر معروف وبعد فالذي نعلمك به أنك بعدما تركتنا خرج العرب علينا
وحاربونا وهم قدر ألفين من الفرسان ونحن خمسمائة مملوك ووقع بيننا وبين العرب حربٌ
عظيمٌ ومنعونا عن الطريق ومضى لنا ثلاثون يوماً ونحن نحاربهم وهذا سبب تأخيرنا
عنك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن بنت الملك قالت لأبيها أن زوجي جاءه مكتوبٌ من أتباعه
مضمونه: أن العرب منعونا عن الطريق وهذا سبب تأخيرنا عنك وقد أخذوا منا مائتي حمل
وقتلوا منا خمسين مملوكاً فما بلغه الخبر قال: خيبهم الله كيف يتحاربون لأجل مائتي
حمل بضاعة وما مقدار مائتي حمل فما كان ينبغي لهم أن يتأخروا من أجل ذلك فأن قيمة
المائتي حمل سبعة آلاف دينارٍ ولكن ينبغي أن أروح إليهم وأستعجلهم والذي أخذه
العرب لا تنقص به الحملة ولا يؤثر عندي شيئاً وأقدر أني تصدقت به عليهم ثم نزل من
عندي ضاحكاً ولم يغتم على ما ضاع من ماله ولا على قتل مماليكه ولم نزل نظرت من
شباك القصر فرأيت العشرة مماليك الذين أتوا له بالكتاب كأنهم الأقمار كل واحدٍ
منهم لابس بدلة تساوي ألف دينارٍ وليس عند أبي مملوك يشبه واحداً منهم. ثم توجه مع
المماليك الذين جاؤوا له بالمكتوب ليجيء بحملته والحمد لله الذي منعني أن أذكر له
شيئاً من هذا الكلام الذي أمرتني به فأنه كان يستهزئ بي وبك وربما كان يراني بعين
النقص ويبغضني ولكن العيب كله من وزيرك الذي يتكلم في حق زوجي كلاماً لا يليق به
فقال الملك: يا بنتي أن مال زوجك كثير ولا يفكر في ذلك ومن يوم دخل بلادنا وهو
يتصدق على الفقراء وأن شاء الله عن قريبٍ يأتي بالحملة ويحصل لنا منه خيرٌ كثيرٌ
وصار يأخذ بخاطرها ويوبخ الوزير وانطلت عليه الخيانة هذا ما كان من أمر الملك.
وأما ما كان من أمر التاجر معروف فأنه ركب الجواد وسار في البر الأقفر وهو متحير
لا يدري إلى أي البلاد يروح وصار من ألم الفراق ينوح وقاسى الوجد واللوعات. فلما
فرغ من كلامه بكى بكاءً شديداً وقد انسدت الطرقات في وجهه وأختار الممات على
الحياة ثم أنه مشى كالسكران من شدة حيرته ولم يزل سائراً إلى وقت الظهر حتى أقبل
على بلدةٍ صغيرةٍ فرأى رجلاً حراثاً قريباً منه يحرث على ثورين وكان قد اشتد به
الجوع فقصد الحراث وقال له: السلام عليكم فرد عليه السلام وقال: مرحباً بك يا سيدي
هل أنت من مماليك السلطان قال: نعم قال: انزل عندي للضيافة فعرف أنه من الأجاويد
فقال له: يا أخي ما أنا ناظرٌ عندك شيئاً حتى تطعمني إياه فكيف تعزم علي فقال
الحراث: يا سيدي الخير موجودٌ أنزل أنت وها هي البلدة قريبةٌ وأنا ذاهب وآتي لك
بغداءٍ وعليق لحصانك قال: حيث كانت البلدة قريبةٌ فأنا أصل إليها في مقدار ما تصل
أنت إليها واشتري مرادي من السوق وآكل فقال له: يا سيدي أن البلدة صغيرةً وليس
فيها سوق ولا بيع ولا شراء سألتك بالله أن تنزل عندي وتجبر بخاطري وأنا ذاهب إليها
وأرجع إليك بسرعةٍ فنزل ثم أن الفلاح تركه وراح البلد ليجيء له بالغداء فقعد معروف
ينتظره ثم قال في نفسه: أنا شغلنا هذا الرجل المسكين عن شغله ولكن أنا أقوم وأحرث
عوضاً عنه حتى يأتي في نظير عوقته عن شغله ثم أخذ المحراث وساق الثيران فحرث
قليلاً وعثر المحراث في شيءٍ فوقعت البهائم فساقها فلم تقدر على المشي فنظر إلى
المحراث فرآه مشبوكاً في حلقةٍ من الذهب فكشف عنها التراب فوجد تلك الحلقة في وسط
حجرٍ من المرمر قدر قاعدة الطاحون فعالج فيه حتى قلعه من مكانه فبان من تحته طبق
بسلالم أفنزل في تلك السلالم فرأى مكاناً مثل الحمام بأربعة لواوين الليوان الأول
ملآن من الأرض إلى السقف بالذهب والليوان الثاني ملآن زمرداً ولؤلؤاً ومرجاناً من
الأرض إلى السقف والليوان الثالث ملآن ياقوتاً وبلخشاً وفيروزاً والليوان الرابع
ملآن بالماس ونفيس المعادن من سائر أصناف الجواهر وفي صدر ذلك المكان صندوقاً من
البلور الصافي ملآن بالجواهر اليتيمة التي كل جوهرةٍ منها قدر الجوزة وفوق ذلك
الصندوق علبةً صغيرةً قدر الليمونة وهي من الذهب. فلما رأى ذلك تعجب وفرح فرحاً
شديداً وقال: يا هل ترى أي شيءٍ في هذه العلبة ثم أنه فتحها فرأى فيها خاتماً من
الذهب مكتوباً عليه أسماء وطلاسم مثل دبيب النمل فدعك الخاتم وإذا بقائلٍ يقول:
لبيك لبيك يا سيدي فأطلب تعط هل تريد أن تعمر بلداً وتخرب مدينةً أو تقتل ملكاً أو
تحفر نهراً أو نحو ذلك فمهما طلبته فأنه قد صار بأذن الملك الجبار خالق الليل
والنهار فقال له: يا مخلوق ربي من أنت ومن تكون
قال: أنا خادم هذا الخاتم القائم بخدمة مالكه فمهما طلبه من الأغراض قضيته له ولا
عذرٌ لي فيه يأمرني به فأني سلطانٌ على أعوانٍ من الجان وعدة عسكري اثنتان وسبعون
قبيلةً كل قبيلةٍ عدتها اثنتان وسبعون ألفاً وكل واحدٍ من الألف يحكم ألف ماردٍ
وكل ماردٍ يحكم على ألف عونٍ ولك عون يحكم على ألف شيطان وكل شيطان يحكم على ألف
جني وكلهم من تحت طاعتي ولا يقدرون على مخالفتي وأنا مرصوداً لهذا الخاتم لا أقدر
على مخالفة من ملكه وه أنت من ملكته وصرت أنا خادمك فأطلب ما شئت فأني سميعٌ لقولك
مطيعٌ لأمرك وإذا احتجت إلي في أي وقتٍ في البر والبحر فادعك الخاتم تجدني عندك
وإياك أن تدعكه ماريتن متواليتين فتحرقني بنار الأسماء وتعدمني وتندم علي بعد
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن خادم هذا الخاتم لما أخبر معروفاً بأحواله قال معروف: ما
اسمك قال: اسمي أبو السعادات فقال له: يا أبا السعادات ما هذا المكان ومن أرصد في
هذه العلبة قال له: يا سيدي هذا المكان كنزٌ يقال له كنز شداد بن عاد الذي عمر أرم
ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وأنا كنت خادمه في حياته وهذا خاتمه وقد
وضعه في كنزه ولكنه نصيبك فقال له معروف: هل تقدر أن تخرج ما في هذا الكنز على وجه
الأرض قال: نعم أسهل ما يكون قال: أخرج جميع ما فيه ولا تبق منه شيئاً فأشار بيده
إلى الأرض فانشقت ثم نزل وغاب مدةً لطيفةً وإذا بغلمانٍ صغارٍ زرافٍ بوجوهٍ حسانٍ
قد خرجوا وهم حاملون مشناتٍ من الذهب وتلك المشنات ممتلئةً ذهباً وفرغوها ثم راحوا
وجاؤوا بغيرها وما زالوا ينقلون من الذهب والجواهر فلم تمض ساعةً حتى قالوا: ما
بقي في الكنز شيءٌ ثم طلع له أبو السعادات وقال له: يا سيدي قد رأيت أن جميع ما في
الكنز قد نقلناه فقال له: ما هذه الأولاد الحسان قال: هؤلاء أولادي لأن هذه الشغلة
لا تستحق أن أجمع لها الأعوان وأولادي قضوا حاجتك وتشرفوا بخدمتك فاطلب ما تريد
غير هذا قال له: هل تقدر أن تجيء لي ببغالٍ وصناديقٍ وتحط هذه الأموال في الصناديق
وتحمل الصناديق على البغال قال: هذا أسهل ما يكون. ثم أنه زعق زعقةً عظيمةً فحضر
أولاده بين يديه وكانوا ثمانمائة فقال لهم: لينقلب بعضكم في صورة البغال وبعضكم في
صورة المماليك الحسان الذين أقل من فيهم لا يوجد مثله عند ملك الملوك وبعضكم في
صورة المكارية وبعضكم في صورة الخدامين ففعلوا كما أمرهم ثم صاح على الأعوان
فحضروا بين يديه فأمرهم أن ينقلب بعضهم في صورة الخيل المسرجة بسروج الذهب المرصع
بالجواهر. فلما رأى معروف ذلك قال: أين الصناديق فأحضروها بين يديه قال: عبوا
الذهب والمعادن كل صنفٍ وحده فعبوها وحملوها على ثلثمائة بغلٍ فقال معروف: يا أبا
السعادات هل تقدر أن تجيء لي بأحمالٍ من نفيس القماش قال: أتريد قماشاً مصرياً أو
شامياً أو عجمياً أو هندياً قال: هات لي من قماش كل بلدةٍ مائة حملٍ على مائة بغلٍ
قال: يا سيدي أعطني مهلةً حتى أرتب أعواني بذلك أو آمر كل طائفةٍ أن تروح إلى بلدٍ
لتجيء بمائة حملٍ من قماشها وينقلب الأعوان في صورة البغال ويأتون حاملين البضائع
قال: ما قدر زمن المهلة قال: مدة سواد الليل فلا يطلع النهار إلا وعندك جميع ما
تريد قال: أمهلك هذه المدة ثم أمرهم أن ينصبوا له خيمةً فنصبوها وجلس وجاؤوا له
بسماطٍ وقال له أبو السعادات: يا سيدي اجلس في الخيمة وهؤلاء أولادي بين يديك
يحرسونك ولا تخشى من شيء وأنا ذاهب أجمع أعواني وأرسلهم ليقضوا حاجتك. ثم ذهب أبو
السعادت إلى حال سبيله وجلس معروف في الخيمة والسماط قدامه وأولاد أبي السعادات
بين يديه في صورة المماليك والخدم والحشم فبينما هو جالسٌ على تلك الحالة وإذا بالرجل
الفلاح قد أقبل وهو حاملٌ قصعة عدسٍ كبيرةٍ ومخلاةٍ ممتلئةٍ شعيراً فرأى الخيمة
منصوبة والمماليك واقفةٌ وأيديهم على صدورهم فظن أنه السلطان أتى ونزل في ذلك
المكان فوقف باهتا وقال في نفسه: يا ليتني كنت ذبحت فرختين وحمرتهما بالسمن البقري
من شأن السلطان. وأراد أن يرجع ليذبح فرختين يضيف بهما السلطان فرآه معروف فزعق
عليه وقال للمماليك: أحضروه فحملوه هو وقصعة العدس وأثوابهما قدامه فقال له: ما
هذا قال: هذا غذاؤك وعليق حصانك فلا تؤاخذني فأني ما كنت أظن أن السلطان يأتي إلى
هذا المكان ولو علمت بذلك كنت ذبحت له فرختين وضيفته ضيافةً مليحةً فقال له معروف:
أن السلطان لم يجيء وإنما أنا نسيبه وكنت مغبوناً منه وقد أرسل إلى مماليكه
فصالحوني وأنا الآن أريد أن أرجع إلى المدينة وأنت قد عملت لي هذه الضيافة على غير
معرفةٍ وضيافتك مقبولة ولو كانت عدساً فأنا ما آكل إلا من ضيافتك. ثم أمره بوضع
القصعة في وسط السماط وأكل منها حتى أكتفي وأما الفلاح فأنه ملآ بطنه من تلك
الألوان الطيبة ثم أن معروفاً غسل يديه وأذن للمماليك في أكل فنزلوا على بقية
السماط وأكلوا ولما فرغت القصعة ملآها ذهبا وقال له: أوصلها إلى منزلك وتعال عندي
في المدينة وأنا أكرمك فتناول القصعة ملآنةً ذهباً وساق الثيران وذهب إلى بلده وهو
يظن أنه نسيب الملك. وبات معروفاً تلك الليلة في أنسٍ وصفاءٍ وجاؤوا له ببناتٍ من
عرائس الكنوز فدقوا آلات الطرب ورقصوا قدامه وقضى ليلته وكانت تعد من الأعمار. فلما أصبح الصباح لم يشعرا إلا والغبار قد علا وطار وانكشف عن بغالٍ حاملةٍ
أحمالاً وهي سبعمائة بغلٍ حاملةً أقمشةً وحولها غلمانٌ مكاريةٌ وعكامةٌ وضويةٌ
وأبو السعادات راكبٌ على بغلةٍ وهو في صورة مقدم الحملة وقدامه تختروان له أربع
عساكر من الذهب الوهاج مرصعةً بالجواهر. فلما وصل إلى الخيمة نزل من فوق ظهر
البغلة وقبل الأرض وقال: يا سيدي أن الحاجة قضيت بالتمام والكمال وهذا التختروان
فيه بدلةً كنوزيةً لا مثيل لها من ملابس الملوك فألبسها وأركب في التختروان
وأأمرنا بما تريد. فقال له أبو السعادات: مرادي أن أكتب لك كتاباً تروح به إلى
مدينة خيتان أختن وتدخل على عمي الملك ولا تدخل عليه إلا في صورة ساعٍ أنيسٍ فقال
له سمعاً وطاعةً. فكتب كتاباً وختمه فتناوله أبو السعادات وذهب به حتى وصل إلى
الملك فرآه يقول: يا وزيري أن قلبي على نسيبي وأخاف أن يقتله العرب يا ليتني كنت
أعرف أين ذهب حتى كنت أتبعه بالعسكر ويا ليته كان قد أعلمني بذلك قبل الذهاب. فقال
له الوزير: الله تعالى يلطف بك على هذه الغفلة التي أنت فيها
وحياة رأسك أن الرجل عرف أننا انتبهنا له فخاف من الفضيحة وهرب وما هو إلا كذابٌ
نصابٌ وإذا بالساعي داخلٌ فقبل الأرض بين يدي الملك ودعا له بدوام العز والنعم
والبقاء فقال له الملك: من أنت وما حاجتك فقال له: أنا ساعٍ أرسلني إليك نسيبك وهو
مقبل بالحملة وقد أرسل معي كتاباً وها هو فأخذه وقرأه فرأى فيه: وأدرك شهرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن الملك أخذ الكتاب وقرأه وفهم رموزه ومعناه فرأى فيه: من بعد
مزيد السلام على عمنا الملك العزيز فأني جئت بالحملة فأطلع وقابلني بالعسكر فقال
الملك: سود الله وجهك يا وزير كم تقدح في عرض نسيبي وتجعله كذاباً نصاباً وقد أتى
بالحملة فما أنت إلا خائنٌ. فأطرق الوزير رأسه على الأرض حياءً وخجلاً وقال: يا
ملك الزمان أنا ما قلت هذا الكلام إلا لطول غياب الحملة وكنت خائفاً على ضياع
المال الذي صرفه فقال له الملك: يا خائن أي شيءٍ أموالي حيثما أتت الحملة فأنه
يعطيني عوضا عنها شيئاً كثيراً. ثم أمر الملك بزينة المدينة وذهب إلى ابنته وقال
لها: لك البشارة أن زوجك عن قريبٍ يجيء بحملته وقد أرسل مكتوباً بذلك وها أنا
طالعٌ لملاقاته. فتعجبت البنت من هذه الحالة وقالت في نفسها: إن هذا شيءٌ عجيبٌ هل
كان يهزأ بي ويتمسخر علي أو كان يختبرني حين أفادني بأنه فقيرٌ ولكن الحمد لله حيث
لم يقع في حقة تقصيراً. وأما ما كان من أمر التاجر المصري فأنه لما رأى الزينة سأل
عن سبب ذلك فقالوا له: أن التاجر معروف نسيب الملك قد أتت حملته فقال: الله أكبر
ما هذه الداهية أنه قد أتاني هارباً من زوجته وكان فقيراً فمن أين جاءت له حملة
ولكن لعل بنت الملك دبرت له حيلةً خوفاً من الفضيحة والملوك لا يعجزون عن شيء
فالله وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن التاجر علياً لما سأل عن الزينة أخبروه بحقيقة الحال فدعا له
وقال: الله يستره ولا يفضحه وسائر التجار فرحوا وانسروا لأجل أخذ أموالهم ثم أن
الملك أمر بجمع العسكر وطلع وكان أبو السعادات قد رجع إلى معروفٍ وأعلمه بأنه بلغ
الرسالة فقال له معروف: حملوا فحملوا ولبس البدلة الكنوزية وركب التختروان وصار
أعظم وأهيب من الملك بألف مرةٍ ومشى إلى نصف الطريق وإذا بالملك قابله بالعسكر
فلما وصل إليه رآه لابساً تلك البدلة وراكباً في التختروان حياه بالسلام وجميع
أكابر الدولة سلموا عليه وبأن معروفاً صادق ولا ثم أن التاجر علياً قال له: قد
عملت هذه العملة وطلعت يا شيخ النصابين ولكن يستاهل فالله تعالى يزيدك من فضله فضحك
معروف ولما دخل السرايا قعد على الكرسي وقال: ادخلوا حمال الذهب في خزانة عمي
الملك وهاتوا أحمال الأقمشة فقدموها وصار يفتحونها حملاً بعد حملٍ ويخرجون ما فيها
حتى فتحوا السبعمائة حمل فنقى أطيبها وقال: أدخلوه للملكة لتعرفه على جواريها
وخذوا هذا الصندوق والجواهر وأدخلوه لها لتفرقه على الجواري والخدم وصار يعطي
التجار الذين لهم عليه دينٌ من الأقمشة في نظير ديونهم والذي له ألف يعطيه قماشاً
يساوي ألفين أو أكثر وبعد ذلك صار يفرق على الفقراء والمساكين والملك ينظر بعينيه
ولا يقدر أن يعترض عليه ولم يزل يعطي ويهب حتى فرق السبعمائة حمل ثم التفت إلى
العسكر وجعل يفرق عليهم معادن وزمردا ويواقيت ولؤلؤاً ومرجاناً وصار لا يعطي
الجواهر إلا بالكبشة من غير عددٍ. فقال له الملك: يا ولدي يكفي هذا العطاء لأنه لم
يبق من الحملة إلا القليل فقال له: عندي كثيرٌ وأشتهر صدقه وما بقي يقدر أن يكذبه
وصار لا يبالي بالعطاء لأن الخادم يحضر له مهما طلب ثم أن الخازندار أتى للملك
وقال له: يا ملك أن الخزينة امتلأت وصارت لا تسع بقية الأحمال وما بقي من الذهب
والمعادن أين نضعه فأشار له إلى مكانٍ آخر: ولما رأت زوجته هذه الحالة ازداد فرحها
وصارت متعجبةً وتقول في نفسها: يا هل ترى من أين جاء له كل هذا الخير وكذلك التجار
فرحوا بما أعطاهم ودعوا له: وأما التاجر علي فأنه صار متعجباً ويقول في نفسه: يا
ترى كيف نصب وكذب حتى ملك هذه الخزائن كلها فأنها لو كانت من عند بنت الملك ما كان
يفرقها على الفقراء. هذا ما كان من أمره. وأما ما كان من أمر الملك فأنه تعجب غاية
العجب مما رأى من معروف ومن كرمه وسخائه ببذل المال ثم بعد ذلك دخل على زوجته
فقابلته وهي مبتسمةٌ ضاحكةٌ فرحانةٌ وقبلت يده وقالت: هل كنت تتمسخر علي أو كنت
تجربني بقولك أنا فقيرٌ وهاربٌ من زوجتي والحمد لله حيث لم يقع مني في حقك تقصيرٌ
وأنت يا حبيبي وما عندي أعز منك سواءٌ كنت غنياً أو فقيراً وأريد أن تخبرني ما
قصدت بهذا الكلام قال: أردت تجريبك حتى أنظر هل محبتك خالصةٌ أو على شأن المال
وطمع الدنيا فظهر لي أن محبتك خالصةٌ وحيث أنك صادقةٌ في المحبة فمرحباً بك وقد عرفت
قيمتك ثم أنه اختلى في مكان وحده ودعك الخاتم فحضر له أبو السعادات وقال له: لبيك
فأطلب ما تريد قال: أريد منك بدلةً كنوزية لزوجتي وحلياً كنوزياً مشتملاً على عقد
فيه أربعون جوهرةً يتيمةً قال: سمعاً وطاعةً ثم أحضر له ما أمره به فحمل البدلة
والحلي بعد أن صرف الخادم ثم دخل على زوجته ووضعهما بين يديها وقال لها: خذي
وألبسي فمرحباً بك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن التاجر معروف قال لزوجته: مرحباً بك فلما نظرت إلى ذلك طار
عقلها من فرحتها ورأت من جملة الحلي خلخالين من الذهب مرصعين بالجواهر صنعة الكهنة
وأساور وحلقاً وحزاماً لا يتقدم بثمنها أموال فلبست
البدلة والحلي ثم قالت: يا سيدي مرادي أن أدخرها للمواسم والأعياد قال: ألبسيها
دائماً فأن عندي غيرها كثيراً فلما لبستها ونظرانها الجواري فرحن وقبلن يديه
فتركهن واختلى بنفسه ثم دعك الخاتم فحضر له الخادم فقال له: هات لي مائة بدلةٍ
بمصاغها فقال سمعاً وطاعةً ثم أحضر البدلات وكل بدلةٍ مصاغها في قلبها وأخذها وزعق
على الجواري فأتين إليه فأعطى ثم أن بعض الجواري أخبر الملك بذلك فدخل على ابنته فرآها
هي وجواريها فتعجب من ذلك غاية العجب ثم خرج وأحضر وزيره وقال له: يا وزير أيه حصل
كذا وكذا فما تقول في هذا الأمر قال: يا ملك الزمان إن هذه الحالة لا تقع من
التجارة لأن التاجر تقعد عنده القطع الكتان سنين ولا يبيعها إلا بمكسب فمن أين
للتجار قوم كرمٌ مثل هذا الكرم ومن أين لهم أن يحوزوا مثل هذه الأموال والجواهر
التي لا يوجد منها عند الملوك إلا قليل فكيف يوجد عند التجار منها أجمل فهذا لا بد
له من سبب ولكن إن طاوعتني أبين لك حقيقة الأمر فقال له: أطاوعك يا وزير فقال له:
اجتمع عليه ووادده وتحدث معه وقل له: يا نسيبي في خاطري أن أروح أنا وأنت والوزير
من غير زيادة بستاناً لأجل النزهة فإذا خرجنا إلى البستان نحط سفرة المدام وأغصب
عليه واسقه ومتى شرب المدام ضاع عقله وغاب رشده فنسأله عن حقيقة أمره فأنه يخبرنا
بأسراره والمدام فضاح. ومتى أخبرنا بحقيقة الأمر فأننا نطلع على حاله ونفعل به ما
نحب ونختار منك فقال له الملك: صدقت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن الوزير لما دبر للملك هذا التدبير قال له: صدقت وباتا متفقين
على هذا الأمر. فلما أصبح الصباح خرج الملك إلى المقعد وجلس وإذا بالخدامين
والسياس دخلوا عليه مكروبين فقال لهم: ما الذي أصابكم قالوا: يا ملك الزمان أن
السياس غروا الخيل وعلقوا عليها وعلى البغال وفتشنا الإصطبلات فما رأينا خيلاً ولا
بغالاً ودخلنا محل المماليك فلم نر فيه أحدٌ ولم نعرف كيف هربوا فتعجب الملك من
ذلك لأنه ظن أن الأعوان كانوا خيلاً وبغالاً ومماليك ولم يعلم أنهم كانوا أعوان
خادم الرصد فقال لهم: يا ملاعين ألف دابة وخمسمائة مملوك وغيرهم من الخدام كيف
هربوا ولم تشعروا بهم فقالوا: ما عرفنا كيف جرى لنا حتى هربوا فقالوا: انصرفوا حتى
يخرج سيدكم من الحريم وأخبروه بذلك. وقد خرجوا من قدام الملك وجلسوا متحيرين.فبينما هم جالسون على تلك الحالة وإذا بمعروف قد خرج من الحريم فرآهم مغتمين فقال
لهم: ما الخبر فأخبروه بما حصل فقال: وما قيمتهم حتى تغتموا عليهم امضوا إلى حال
سبيلكم وقعد يضحك ولم يغتظ ولم يغتم من هذا الأمر. فنظر الملك في وجه الوزير وقال
له: أي شيءٍ هذا الرجل الذي ليس للمال عنده قيمة فلا بد يا نسيبي خاطري أروح أنا
وأنت والوزير بستاناً لأجل النزهة فما تقول قال: لا بأس ثم أنهم ذهبوا وتوجهوا إلى
بستان فيه من كل فاكهةٍ زوجان أنهاره دافقةٌ وأشجاره باسقةٌ وأطياره ناطقةٌ ودخلوا
في قصرٍ يزيل عن القلوب الحزن وجلسوا يتحدثون والوزير يحكي غريب الحكايات ويأتي
بالنكت المضحكات والألفاظ المطربات ومعروف مصغٍ إلى الحديث حتى طلع الغداء وحطوا
سفرة الطعام وباطية المدام وبعد أن أكلوا وغسلوا أيديهم ملأ الوزير الكأس وأعطاه
للملك فشربه وملأ الثاني وقال لمعروف: هاك كأس الشرب الذي تخضع لهيبته أعناق ذوي
الألباب فقال معروف: ما لهذا يا وزير قال الوزير: هذه البكر الشمطاء والعانس
العذراء ومهدية السرور إلى السرائر وما زال يرغبه في الشراب ويذكر له محاسنه ما
استطاب وينشده ما ورد فيه من الأشعار ولطائف حتى مال إلى ارتشاف ثغر القدح ولم يبق
غيرها مقترح. وما زال يملأ له وهو يشرب ويستلذ ويطرب حتى غاب عن صوابه ولم يميز
خطأه من صوابه فلما علم أن السكر بلغ به الغاية وتجاوز النهاية قال له: يا تاجر
معروف والله إني متعجبٌ من أين وصلت إليك هذه الجوهرة التي لا يوجد مثلها عند
الملوك الأكاسرة إلا وعمرنا ما رأينا تاجراً حاز أموالاً كثيرة مثلك ولا أكرم منك
فإن فعالك أفعال ملوك وليست أفعال تجار فبالله عليك فقال له معروف: أنا لم أكن
تاجراً ولا من أولاد الملوك. وأخبره بحكايته من أولها إلى آخرها. فقال له: بالله
عليك يا سيدي معروف أن تفرجني على هذا الخاتم حتى ننظر كيف صنعته فقلع الخاتم وهو
في حال سكره وقال خذوا تفرجوا عليه. فأخذه الوزير وقلبه وقال: هل إذا دعكته يحضر
الخادم قال: نعم ادعكه يحضر لك وتفرج عليه فدعكه وإذا بقائلٍ يقول: لبيك يا سيدي
اطلب تعط هل تخرب مدينة أو تعمر مدينة أو تقتل ملكاً فمهما طلبته فأني أفعله لك من
غير خلاف. فأشار الوزير إلى معروف وقال للخادم احمل هذا الخادم ثم أرمه في أوحش
الأراضي الخراب حتى لا يجد فيها ما يأكل ولا ماء يشرب فيهلك من الجوع كمداً ولا
يدر به أحداً. فخطفه الخادم وطار به بين السماء والأرض. فلما رأى معروف ذلك أيقن
بالهلاك وسوء الإرتباك فبكى وقال: يا أبا السعادات إلى أين أنت رائح بي فقال له:
أنا رائح أرميك في الربع الخراب يا قليل الأدب من يملك رصداً مثل هذا ويعطيه للناس
يتفرجون عليه لكن تستاهل ما حل بك ولولا أني أخاف الله لرميتك من مسافة ألف قامة
فلا تصل إلى الأرض حتى تمزقك الرياح. فسكت وصار لا يخاطبه حتى وصل به إلى الربع
الخراب ورماه هناك ورجع وخلاه في الأرض الموحشة. هذا ما كان من أمره. وأما ما كان
من أمر الوزير فأنه لما ملك الخاتم قال للملك: كيف رأيت أما قلت لك إن هذا كذابٌ
نصابٌ ما كنت تصدقني فقال له: الحق معك يا وزير الله يعطيك العافية هات الخاتم حتى
أتفرج عليه. فالتفت الوزير بالغضب وبصق في وجهه وقال له: يا قليل العقل كيف أعطيه
لك وأبقى خدامك بعد أن صرت سيدك ولكن أنا ما بقيت أبقيك ثم دعك الخاتم فحضر الخادم
فقال له: احمل هذا القليل الأدب وارمه في المكان الذي رميت فيه نسيبه النصاب.
فحمله وطار به فقال له الملك يا مخلوق ربي أي شيءٍ ذنبي فقال له الخادم: لا أدري
وإنما أمرني سيدي بذلك وأنا لا أقدر أن أخالف من ملك الخاتم هذا الرصد ولم يزل
طائراً به حتى رماه في المكان الذي فيه معروف ثم رجع وتركه هناك. فسمع معروفاً
يبكي فأتى له وأخبره بحاله وقعدا يبكيان على ما أصابهما ولم يجدا أكلاً ولا شرباً
هذا ما كان من أمرهما. وأما ما كان من أمر الوزير فأنه بعدما شتت معروفاً
والملك قام وخرج من البستان وأرسل إلى جميع العسكر وعمل ديواناً وأخبرهم بما فعل
مع معروف والملك وأخبرهم بقصة الخاتم وقال لهم: إن لم تجعلوني سلطاناً عليكم أمرت
خادم الخاتم أن يحملكم جميعاً ويرميكم في الربع الخراب فتموتوا جوعاً وعطشاً.
فقالوا له لا تفعل معنا ضرراً فأننا قد رضينا بك سلطاناً علينا ولا نعصي لك أمراً.
ثم أنهم اتفقوا على سلطنته عليهم قهراً عنهم وخلع عليهم الخلع وصار يطلب من أبي
السعادات كل ما أراده فيحضر بين يديه في الحال ثم أنه جلس على الكرسي وأطاعه
العسكر وأرسل إلى بنت الملك يقول لها حضري روحك فأني داخلٌ عليك في هذه الليلة
لأني مشتاقٌ إليك فبكت وصعب عليها أبوها وزوجها ثم أنها أرسلت تقول أمهلني حتى
تنقضي العدة ثم اكتب كتابي وادخل علي في الحلال فأرسل يقول لها: أنا لا أعرف عدة
ولا طول مدة ولا أحتاج إلى كتاب ولا أعرف حلالاً من حرام ولا بد من دخولي عليك في
هذه الليلة فأرسلت تقول له مرحباً بك ولا بأس بذلك وكان ذلك مكر منها فلما رجع له
الجواب فرح وانشرح صدره لأنه كان مغرماً بحبها ثم أمر بوضع الأطعمة بين جميع الناس
وقال كلوا هذا الطعام فإنه وليمة الفرح فأني أريد الدخول على الملكة في هذه الليلة
فقال شيخ الإسلام لا يحل لك الدخول عليها حتى تنقضي عدتها وتكتب كتابك عليها فقال
له: أنا لا أعرف عدةٌ ولا مدةٌ فلا تكثر علي كلاماً فسكت شيخ الإسلام وخاف من شره
وقال للعسكر: إن هذا كافرٌ لا دينٌ له ولا مذهب. فلما جاء المساء دخل عليها فرأها
لابسةً آخر ما عندها من الثياب وهي ضاحكة وقالت له ليلة مباركة. وأدرك شهرزاد
الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن بنت الملك قابلت الوزير وقالت له مرحباً بك ولو كنت قتلت أبي
وزوجي لكان أحسن عندي فقال لها لا بد أن أقتلهما فأجلسته وصارت تمازحه حتى تظفر
بالخاتم وتبدل فرحه بالنكد على ما ناصبته وما فعلت معه هذه الفعال. فلما رأى
الملاطفة والإبتسام هاج عليه الغرام وطلب منها الوصال فلما دنا منها تباعدت عنه
وبكت وقالت يا سيدي أما ترى الرجل الناظر إلينا بالله عليك أن تسترني عن عينه فكيف
تواصلني وهو ينظر إلينا فاغتاظ وقال: أين الرجل قالت ها هو في فص الخاتم يطلع رأسه
وينظر إلينا فظن أن خادم الخاتم ينظر إليهما فضحك وقال لا تخافي إن هذا خادم وهو
تحت طاعتي قالت أنا أخاف من العفاريت فاقلعه وارمه بعيداً عني فقلعه ووضعه على
المخدة ودنا منها فرفسته برجلها في قلبه فانقلب على قفاه مغشياً عليه وزعقت على
أتباعها فأتوها بسرعةٍ فقالت امسكوه فقبض عليه أربعون جارية وعجلت بأخذها الخاتم
من فوق المخدة ودعكته وإذا بأبي السعادات أقبل يقول لبيك يا سيدتي فقالت احمل هذا
الكافر وضعه في السجن وثقل قيوده فأخذه وسجنه في سجن الغضب ورجع وقال لها: لقد
سجنته فقالت له: أين أبي وزوجي قال رميتهما في الربع الخراب قالت: أمرتك أن تأتيني
بهما في هذه الساعة فقال: سمعاً وطاعةً ثم طار من أمامها ولم يزل طائراً إلى أن
وصل إلى الربع الخراب ونزل عليهما فرآهما قاعدين يبكيان ويشكوان لبعضهما فقال لهما
لا تخافا قد أتاكما الفرج وأخبرهما بما فعل الوزير وقال لهما أني قد سجنته بيدي
طاعةً لها ثم أمرتني بإرجاعكما ففرحا بخبره ثم حملهما وطار بهما فما كان غير ساعة
حتى دخل بهما على بنت الملك فقامت وسلمت على أبيها وزوجها وأجلستهما وقدمت لهما
الطعام والحلوى وباتا بقية الليلة. وفي ثاني يوم ألبست أباها بدلةً فاخرةً وألبست
زوجها بدلةً فاخرةً وقالت يا أبت أقعد أنت على كرسيك ملكاً على ما كنت عليه أولاً
واجعل زوجي وزير ميمنة عندك وأخبر عسكرك بما جرى وهات الوزير من السجن واقتله ثم
احرقه فأنه كافرٌ وأراد أن يدخل علي سفاحاً من غير نكاح وشهد على نفسه أنه كافر وليس
له دين يتدين به واستوص بنسيبك الذي جعلته وزير ميمنة عندك فقال سمعاً وطاعةً يا
بنتي ولكن أعطيني الخاتم أو أعطيه لزوجك فقالت أنه لا يصلح لك ولا له وإنما الخاتم
يكون عندي وربما أحميه أكثر منكما ومهما أردتما فاطلباه مني وأنا أطلب لكما من
خادم هذا الخاتم ولا تخشيا بأساً ما دمت أنا طيبة وبعد موتي فشأنكما والخاتم فقال
أبوها هذا هو الرأي الصواب يا بنتي. ثم أخذ نسيبه وطلع إلى الديوان وكان العسكر قد
باتوا في كربٍ عظيمٍ بسبب بنت الملك وما فعل معها الوزير من أنه دخل عليها سفاحاً
من غير نكاح وأساء الملك ونسيبه وخافوا أن تنتهك شريعة الإسلام لأنه ظهر لهم أنه
كافرٌ ثم اجتمعوا في الديوان وصاروا يعنفون شيخ الإسلام ويقولون له لماذا لم تمنعه
من الدخول على الملكة سفاحاً فقال لهم: يا ناس أن الرجل كافرٌ وصار ملكاً للخاتم
وأنا وأنتم لا يخرج من أيدينا في حقة شيء فالله تعالى يجازيه بفعله فاسكتوا أنتم
لئلا يقتلكم. فبينما العساكر مجتمعون يتحدثون في هذا الكلام وإذ بالملك دخل عليهم
في الديوان ومعه نسيبه معروف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد التسعمائة :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن العساكر من شدة غيظهم جلسوا في الديوان يتحدثون بشأن الوزير
وما فعل بالملك ونسيبه وبنته وإذا بالملك قدم إليهم في الديوان ومعه نسيبه معروف
فلما رآته العساكر فرحوا بقدومه وقاموا له على الأقدام وقبلوا الأرض بين يديه ثم
جلس على الكرسي وأفادهم بالقصة فزالت عنهم الغصة وأمر بزينة المدينة وأحضر الوزير
من الحبس فلما مر العساكر صاروا يلعنونه ويوبخونه حتى وصل إلى الملك فلما تمثل بين
يديه أمر بقتله أشنع قتلة ثم حرقوه وراح إلى سقر في أسوا الحالات. ثم أن الملك جعل
معروفاً وزير ميمنة عنده وطابت لهم الأوقات وصفت لهم المسرات واستمروا على ذلك خمس
سنوات وفي السنة السادسة مات الملك فجعلت بنت الملك زوجها سلطاناً مكان أبيها ولم
تعطه الخاتم وكانت في هذه المدة حملت منه ووضعت غلاماً بديع الجمال بارع الحسن
والكمال ولم يزل في حجر الدادات حتى بلغ من العمر خمس سنوات فمرضت أمه مرض الموت
فأحضرت معروفاً وقالت له أنا مريضة قال لها:سلامتك يا حبيبة قلبي قالت له ربما أموت فلا تحتاج إلى أن أوصيك على ولدك إنما
أوصيك بحفظ الخاتم خوفاً عليك وعلى هذا الغلام فقال: ما على من يحفظه بأس فقلعت
الخاتم وأعطته له وفي ثاني يومٍ توفيت إلى رحمة الله تعالى وأقام معروف ملكاً وصار
يتعاطى الأحكام. فاتفق له في بعض الأيام أنه نفض المنديل فانفضت العساكر من قدامه
إلى أماكنهم ووصل هو إلى قاعة الجلوس وجلس فيها إلى أن مضى النهار وأقبل الليل
بالإعتكار فجاء إليه أرباب منادمته من الأكابر على عادتهم وسهروا عنده من أجل
البسط والإنشرح إلى نصف الليل ثم طلبوا الإجازة بالإنصراف فأذن لهم وبعد ذلك جاءت
إليه جاريةٌ كانت مقيدة بخدمة فراشه ففرشت له المرتبة وقلعته البدلة وألبسته بدلة
النوم واضطجع فصارت تكبس قدميه حتى غلب عليه النوم فذهبت من عنده وراحت إلى مرقدها
ونامت هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر الملك معروف فأنه بينما كان نائماً
لم يشعر إلا وشيءٍ بجانبه في الفراش فانتبه مرعوباً وقال أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم ثم فتح عينيه فرأى بجانبه امرأة قبيحة المنظر فقال لها من أنت قالت لا تخف
أنا زوجتك فاطمة العرة فنظر في وجهها فعرفها بمسخة صورتها وطول أنيابها وقال: من
أين وصلت علي ومن جاء بك إلى هذه البلاد فقالت له: في أي بلاد أنت في هذه الساعة
قال: في مدينة خيتان أختن وأنت متى فارقت مصر قالت: في هذه الساعة: قال: وكيف ذلك
قالت: لما تشاجرت معك وأغواني الشيطان على ضررك واشتكيتك إلى الحكام ففتشوا عليك
فما وجدوك وسأل القضاة عنك فما رأوك بعد أن مضى يومان لحقتني الندامة وعلمت أن
العيب عندي وصار الندم لا ينفعني وقعدت مدة أيامٍ وأنا أبكي على فراقك وقل ما في
يدي واحتجت إلى السؤال فصرت أسأل كل مغبونٍ وممقوتٍ ومن حين فارقتني وأنا آكل من
ذل السؤال وصرت في أسوأ الأحوال وكل ليلةٍ أقعد أبكي على فراقك وعلى ما قاسيت بعد
غيابك من الذل والهوان والتعاسة والخسران وصارت تحدثه بما جرى لها وهو باهت فيها
إلى أن قالت: وفي الأمس درت طول النهار أسأل فلم يعطني أحد شيئاً وصرت كلما أقبل
على أحد واسأله كسرة يشتمني ولا يعطيني شيئاً فلما أقبل الليل بت من غير عشاء
فأحرقني الجوع وصعب علي ما قاسيت وقعدت أبكي وإذا بشخصٍ تصور قدامي وقال لي: يا
امرأة لأي شيءٍ تبكين فقلت: أنه كان لي زوجٌ يصرف علي ويقضي أغراضي وقد فقد مني
ولم أعرف أين راح وقد قاسيت الغلب من بعده فقال: ما اسم زوجك قلت: اسمه معروف قال:
أنا أعرفه اعلمي أن زوجك الآن سلطاناً على مدينة وإن شئت أن أوصلك إليه أفعل ذلك
فقلت له: أنا في عرضك أن توصلني إليه فحملني وطار بي بين السماء والأرض حتى أوصلني
إلى هذا القصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الألف :
قالت: بلغني
أيها الملك السعيد أن فاطمة العرة قالت لمعروف: أن ذلك المارد أتى بي إلى هذا
القصر وقال لي: ادخلي في هذه الحجرة تري زوجك نائماً على السرير فدخلت فرأيتك في
هذه السيادة وأنا ما كان أملي أنك تفوتني وأنا رفيقتك والحمد لله الذي جمعني عليك
فقال لها: هل أنا فتك أو أنت التي فتنيني وأنت تشكيني من قاضٍ إلى قاضٍ وختمت ذلك
بشكايتي إلى الباب العالي حتى نزلت على أبا طبق من القلعة فهربت قهراً عني وصار
يحكي لها على ما جرى له إلى أن صار سلطاناً وتزوج بنت الملك وأخبرها بأنها ماتت
وخلف منها ولداً وصار فقالت: والذي جرى مقدر من الله تعالى وقد تبت وأنا في عرضك
أنك لا تفوتني ودعني آكل عندك العيش على سبيل الصدقة ولم تزل تتواضع له حتى رق
قلبه لها وقال: توبي عن الشر واقعدي عندي وليس لك إلا ما يسرك فأن عملت شيئاً من
الشر أقتلك ولا أخاف من أحدٍ فلا يخطر ببالك أنك تشكيني إلى الباب العالي وينزل لي
أبا طبق من القلعة فأني صرت سلطاناً والناس تخاف مني وأنا لا أخاف إلا من الله
تعالى فإن معي خاتم استخدام متى دعكته يظهر لي خادم الخاتم واسمه أبو السعادات
ومهما طلبته منه يأتيني به فإن كنت تريدين الذهاب إلى بلدك أعطيك ما يكفيك طول
عمرك وأرسلك إلى مكانك بسرعة وأن كنت تريدين القعود عندي فإني أخلي لك قصراً
وأفرشه لك من خاص الحرير وأجعل لك عشرين جاريةً تخدمك وأرتب لك المآكل الطيبة
والملابس وتصيرين ملكة وتقيمين في نعيمٍ زائدٍ حتى تموتي أو أموت أنا فما تقولين
في هذا الكلام قالت: أنا أريد الإقامة عندك ثم قبلت يده وتابت عن الشر فرد لها
قصراً وحدها وأنعم عليها بجوارٍ وطواشيةٍ وصارت ملكة ثم أن الولد صار يروح عندها
وعند أبيه فكرهت الولد لكونه ليس ابنها فلما رأى الولد منها عين الغضب والكراهية
نفر منها وكرهها ثم أن معروفاً اشتغل بحب الجواري الحسان ولم يفكر في زوجته فاطمة
العرة لأنها صارت عجوزاً شمطاء بصورةٍ شوهاء وسحنة معطاء أقبح من الحية الرقطاء
خصوصاً وقد أساءته إساءة لا مزيد عليها وصاحب المثل يقول: الإساءة تقطع أصل
المطلوب وتزرع البغضاء في أرض القلوب. ثم أن معروفاً لم يأوها الخصلة الحميدة فيها
وإنما عمل معها هذا الإكرام ابتغاء مرضاة الله تعالى ثم أن دنيازاد قالت لأختها
شهرزاد: ما أطيب هذه الألفاظ التي هي أشد أخذاً للقلوب من سواحر الإلحاظ وما أحسن
هذه النكت الغريبة والنوادر العجيبة فقالت شهرزاد: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة
المقبلة إن عشت وأبقاني الملك. فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح أصبح الملك
منشرح الصدر ومنتظراً لبقية الحكاية وقال في نفسه: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية
حديثها ثم خرج إلى محل حكمه وطلع الوزير على عادته بالكفن تحت إبطه فمكث الملك في
الحكم بين الناس طول نهاره وبعد ذلك ذهب إلى حريمه ودخل على زوجته شهرزاد بنت
الوزير على جري عادته. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة بعد الألف :
ذهب الملك إلى حريمه ودخل على زوجته شهرزاد بنت الوزير فقالت لها
أختها دنيازاد: تممي قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك معروفاً صار لا يعتني
بزوجته من أجل النكاح وإنما كان يطعمها احتساباً لوجه الله تعالى فلما رأته
ممتنعاً عن وصالها ومشتغلاً بغيرها بغضته وغلبت عليها الغيرة ووسوس لها إبليس أنها
تأخذ الخاتم منه وتقتله وتعمل ملكة مكانه ثم أنها خرجت ذات ليلة من الليالي ومضت
من قصرها متوجهةً إلى القصر الذي فيه زوجها الملك معروف واتفق بالأمر المقدر
والقضاء المسطر أن معروفاً كان راقداً مع محظية من محاظيه ذات حسنٍ وجمالٍ وقدٍ
واعتدالٍ ومن حسن تقواه كان يقلع الخاتم من إصبعه إذا أراد أن يجامع احتراماً
للأسماء الشريفة التي هي مكتوباً عليها فلا يلبسه إلا على طهارة وكانت زوجته فاطمة
العرة لم تخرج موضعها إلا بعد أن أحاطت علماً بأنه إذا جامع يقلع الخاتم ويجعله
على المخدة حتى يطهر وكان من عادته أنه متى جامع يأمر المحظية أن تذهب من عنده
خوفاً على الخاتم وإذا دخل الحمام يقفل باب القصر حتى يرجع من الحمام ويأخذ الخاتم
ويلبسه وبعد ذلك كل من دخل القصر لا حرج عليه وكانت تعرف هذا الأمر كله فخرجت
بالليل لأجل أن تدخل عليه في القصر وهو مستغرقٌ في النوم وتسرق هذا الخاتم بحيث لا
يراها. فلما خرجت كان ابن الملك في هذه الساعة قد دخل بيت الراحة ليقضي حاجة من
غير نور فقعد في الظلام على ملاقي بيت الراحة وترك الباب مفتوحاً عليه فلما خرجت
من قصرها يا هل ترى لأي شيءٍ خرجت هذه الكاهنة من قصرها في جنح الظلام وأراها
متوجهةٍ إلى قصر أبي فهذا الأمر لا بد له من سبب ثم أنه خرج وراءها وتبع أثرها من
حيث لا تراه وكان له سيف قصير من الجوهر وكان لا يخرج إلى ديوان أبيه إلا متقلداً
بذلك السيف لكونه مستعزاً به فإذا رآه أبوه يضحك عليه ويقول: ما شاء الله إن سيفك
عظيمٌ يا ولدي ولكن ما نزلت به حرباً ولا قطعت به رأساً فيقول له: لا بد أن أقطع
به عنقاً يكون مستحقاً للقطع فيضحك من كلامه. ولما مشى وراء زوجة أبيه سحب السيف
من غلافه وتبعها حتى دخلت قصر أبيه فوقف لها على باب القصر وصار ينظر إليها فرآها
وهي تفتش وتقول: أين وضع الخاتم ففهم أنها دائرةٌ على الخاتم فلم يزل صابراً عليها
حتى لقيته فقالت: ها هو والتقطته وأرادت أن تخرج فاختفى خلف الباب فلما خرجت من الباب
نظرت إلى الخاتم وقلبته في يدها وأرادت أن تدعكه فرفع يده بالسيف وضربها على عنقها
فزعقت زعقةً واحدةً ثم وقعت مقتولة فانتبه معروف فرأى زوجته مرميةٌ ودمها سائل
وابنه شاهراً سيفه في يده. فقال له: ما هذا يا ولدي قال: يا أبي كم مرة وأنت تقول
لي: إن سيفك عظيمٌ ولكنك ما نزلت به حرباً ولا قطعت به رأساً وأنا أقول لك: لا بد
أن أقطع به عنقاً مستحقاً للقطع وأعلمه بخبرها ثم أنه فتش على الخاتم فلم يره ولم
يزل يفتش في أعضائها حتى رأى يدها منطبقة عليه فتناوله ثم قال له: أنت ولدي بلا شك
أراحك الله في الدنيا والآخرة كما أرحتني من هذه الخبيثة. ثم أن الملك معروفاً زعق
على أتباعه فأتوه مسرعين فأعلمهم بما فعلت زوجته فاطمة العرة وأمرهم أن يأخذوها
ويحطوها في مكانٍ إلى الصباح ففعلوا كما أمرهم ثم وكل بها جماعة من الخدام فغسلوها
وكفنوها وعملوا لها مشهداً ودفنوها وما كان مجيئها من مصر إلا لترابها. ثم أن
الملك معروفاً أرسل بطلب الرجل الحراث الذي كان ضيفه وهو هاربٌ فلما حضر جعله وزير
ميمنته وصاحب مشورته ثم علم أن له بنتاً بديعة الحسن والجمال كريمة الخصال شريفة
النسب رفيعة الحسب فتزوج بها وبعد مدة من الزمان زوج ابنه وأقاموا مدةً في أرغد عيش
وصفت لهم الأوقات وطابت لهم المسرات إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات
ومخرب الديار العامرات ومينم البنين والبنات. فسبحان الحي الذي لا يموت وبيده
مقاليد الملك والملكوت.
وكانت شهرزاد في هذه المدة قد أنجبت من الملك ثلاثة ذكور فلما فرغت من
هذه الحكاية قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يدي الملك وقالت له: يا ملك الزمان
وفريد العصر والأوان أني جاريتك ولي ألف ليلة وليلة وأنا أحدثك بحديث تمني يا
شهرزاد فصاحت على الدادات والطواشية وقالت لهم: هاتوا أولادي فجاؤوا لها بهم
مسرعين وهم ثلاثة أولاد ذكور واحدٌ منهم يمشي وواحدٌ يحبي وواحدٌ يرضع فلما جاؤوا
بهم وضعتهم قدام الملك وقبلت الأرض وقالت: يا ملك الزمان أن هؤلاء أولادك وقد
تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراماً لهؤلاء الأطفال فأنك أن قتلتني يصير هؤلاء
الأطفال من غير أم ولا يجدون من يحسن تربيتهم من النساء. فعند ذلك بكى الملك وضم
أولاده إلى صدره وقال: يا شهرزاد والله أني قد عفوت عنك من قبل مجيء هؤلاء الأولاد
لكوني رأيتك عفيفة نقية وحرة نقية بارك الله فيك وفي أبيك وأمك وأصلك وفرعك وأشهد
الله أني قد عفوت عنك من كل شيءٍ يضرك. فقبلت يديه وقدميه وفرحت فرحاً زائداً
وقالت: أطال الله عمرك وزادك هيبة ووقاراً. وشاع السرور في سرايا الملك حتى انتشر
في المدينة وكانت ليلة لا تعد من الأعمار ولونها أبيض من وجه النهار وأصبح الملك
مسروراً وبالخير مغموراً فأرسل إلى جميع العسكر فحضروا وخلع على وزيره أبي شهرزاد
خلعةً سنيةً جليلةً وقال له: سترك الله حيث زوجتني ابنتك الكريمة التي كانت سبباً
لتوبتي عن قتل بنات الناس وقد رأيتها حرة نقية عفيفة ذكية ورزقني الله منها ثلاثة
ذكور والحمد لله على هذه النعمة الجزيلة. ثم خلع على كافة الوزراء والأمراء وأرباب
الدولة الخلع السنية وأمر بزينة المدينة ثلاثين يوماً ولم يكلف أحداً من أهل
المدينة شيئاً من ماله بل جعل جميع الكلفة والمصاريف من خزانة الملك فزينوا
المدينة زينة عظيمة لم يسبق مثلها ودقت الطبول وزمرت الزمور ولعب سائر أرباب
الملاعب وأجزل لهم الملك العطايا والمواهب وتصدق على الفقراء والمساكين وعم بإكرامه
سائر رعيته وأهل مملكته وأقام هو ودولته في نعمة وسرور ولذة وحبور حتى أتاهم هاذم
اللذات ومفرق الجماعات فسبحان من لا يفنيه تداول الأوقات ولا يعتريه شيءٌ من
التغيرات ولا يشغله حال عن حال وتفرد بصفات الكمال والصلاة والسلام على إمام حضرته
وخيرته من خليقته سيدنا محمد سيد الأنام ونضرع به إليه في حسن الختام.
صاح على بعضهم قائلين : خذوا بثأر لوقا . وهنا
أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق